تاريخ و هويةوطني

التــاريــخ الاسود لــفرنســا الاستعماريـــة : ذكرى مظاهرات 17 أكتوبـــــــر 1961 جريمـــــة دولـــــة لا تسقــــط بالتقــــادم.

 تحيي “الــجـــزائــــر” اليوم الذكرى الثامنــة والخمسيـــن لمظاهـــرات” السابـــع عشـــر أكتوبــــر 1961″ , التي أصبحت تؤرخ لليــــوم الوطنــــي للهجــــرة، حيث تبقى المجازر المرتكبة في حق المتظاهرين الجزائريين إحدى المراحل السوداء من تاريخ “فرنســـــا “الاستعماري، وهي التي ألقت بالعشرات من المتظاهرين في نهر “السين “, سواء بقتلهم رميا بالرصاص أو بتعريضهم للضرب، كما تم وضع عدد كبير منهم في السجون، ذنبهم الوحيد أنهم خرجوا مسالمين للمطالبة بحق الشعب الجزائري في الاستقلال والعيش في كنف الحرية والكرامة.

ففي الوقت الذي كانت فيه اتفاقيات  ” إيــفــيـــان  ” تقود “الجـزائـــر” نحو استرجاع سيادتها بفضل المقاومة الباسلة للشعب الجزائري، عمد المستعمر الفرنسي على إفراغ جم حقده على المتظاهرين العزل لأنه لم يستسغ فكرة التفاوض ومطالبة الجزائريين بالاستقلال. فبأمر من رئيس الشرطة لمنطقة “لاســـان” ” مـــوريــــس بـــابـــون” ، قامت قوات الأمن في تلك الليـلـــة بقمـــع المظاهـــرة السلميـــة، التي دعت إليها فيدرالية “فرنسا” لجبهة التحرير الوطني، تنديدا بحظر التجوال المفروض قبل بضعة أيام , على الأشخاص المنحدرين من “شمال إفريقيا” أو”مسلمـــي فرنســــا الجزائرييـــــن”.

وبهذا استجاب آلاف الرجال والنساء والأطفال لهذا النداء , وتوجهوا نحو الشوارع الكبرى لباريس التي تحولت إلى مسرح لمجزرة بشعة، كان الهدف منها قمع التظاهرة التي لم تكن سوى تعبيرا عن رفض الظلم ضد شعب واقع تحت نير الاستعمار.

وتمت هيكلة المتظاهرين ضمن فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا,  التي شرعت في النشاط ابتداء من 25 أوت 1958 تحسبا للمشاركة في المظاهرات المذكورة في”ظرف وجيز”، نظرا للظروف الصعبة ومضايقات الأمن الفرنسي التي كانت تستهدف الجزائريين على وجه الخصوص.

وجاء قرار تنظيم المظاهرات السلمية بقلب “باريس” ، تلبية لنداء لجنة التنسيق والمتابعة المنبثقة عن “جبهة التحرير   الوطني ” و ذلـــك   تجنيد 300 ألف جزائري مغترب بفرنسا , وفي كل الدول الأوروبية لمساندة الثورة ماديا ومعنويا وتحسيس الرأي العام الدولي بعدالة القضية.

كمـــا تم نعييـــن  المجاهد “عــمـــر بــوداود” على رأس فيدرالية جبهة التحرير بفرنسا , بتاريخ 10 جوان 1957 وأعطيت لهذا الأخير أوامر للتحضير من أجل نقل الثورة التحريرية إلى قلب  “فرنسا ” , ومن ضمنها تنظيم مظاهرات 17 أكتوبر 1961.

وبغرض مواجهة التحركات التي كانت تشرف عليها الفيدرالية بفرنسا وخاصة ليلا بباريس، سنت السلطات الاستعمارية حضرا للتجوال ابتداء من تاريخ 6 جوان 1961 , خص الجزائريين دون سواهم، كما تم بعد تعيين “موريس بابون” محافظا لشرطة “باريس”، تجنيد أزيد من 7000 شرطي و1500 دركي، إضافة إلى أعداد أخرى من مختلف أجهزة الأمن وما يزيد عن 500 حركي لقمع أي تحركات للجالية الجزائرية.   

ويمكن القول أن المظاهرة التي جاءت لكسر الحصار من خلال حضر التجوال تعد “آخر محطة” في مسار الثورة التحريرية , بعد ما لقيته من تضامن محلي ودولي جراء التقتيل والتنكيل الذي جوبهت به، حيث اضطرت السلطات الاستعمارية بعدها إلى فتح حوار حقيقي مع ممثلي الثورة التحريرية.

وتواصلت مظاهرات 17 أكتوبر السلمية على مدار 3 أيام، حيث خصص اليوم الأول لعامة المغتربين ذوي الأصول الجزائرية,  الذين خرجوا رفقة زوجاتهم وأولادهم، والثاني للتجار بغلق محلاتهم، والثالث خصص لخروج النساء والتظاهر أمام مختلف الهيئات والمؤسسات والسجون الفرنسية.

وجوبهت المظاهرة السلمية ليلة 17 أكتوبر، بعنف دموي رهيب حيث كانت قوات الأمن الفرنسية تقتل عشوائيا وترمي بالجزائريين في نهر السن وهم مكتوفي الأيدي والأرجل حتى لا ينجو أحد من الغرق.

وفي مقال نشر في جريدة “لوموند” بتاريخ 20 ماي 1998، وصف المؤرخ الفرنسي ” جون لوك إينودي ” رد الشرطة في تلك الليلة بـ«المجزرة”، مما كلفه متابعة قضائية من قبل “موريس بابون” بتهمة “القذف”، لكنه تم رفض الدعوى من قبل المحكمة التي أقرت بمصطلح “مجزرة” مما يشكل منعرجا قضائيا هاما.

ويجمع مؤرخون على أن ما جرى في مظاهرات 17 أكتوبر هو جريمة دولة منظمة، تعاقب عليها جميع القوانين الدولية ولا تسقط بالتقادم، رغم أنها جرت وسط تعتيم إعلامي، حيث منعت السلطات الفرنسية حضور الصحافة أو الكتابة عن المجزرة، كما تجاهلت شكاوى ذوي المفقودين في المظاهرات.

ولحسن الحظ أن ناجين من المجزرة شهدوا بأم أعينهم ما اقترفته القوات الاستعمارية من تقتيل وتنكيل في حق المتظاهرين العزل، ومن بينهم ناجية فرنسية تدعى “مونيك هيرفو”، التي رأت كيف أطلق عناصر الشرطة النار على الجزائريين، وكيف كانوا يلقون بالجثث في النهر.

ووصف المؤرخان البريطانيان “جيم هاوس” و”نيل ماكماستر” ما تعرض له الجزائريون يوم 17 أكتوبر في كتابهما “الجزائريون، الجمهورية ورعب الدولة”، بأنه “أعنف قمع لمظاهرة في أوروبا الغربية في التاريخ المعاصر”.

وتصر “فرنسا” إلى غاية اليوم على إنكار هذه الجريمة البشعة رغم إقرار الرئيس “فرانسوا هولاند” بها, في خطاب له بالجزائر في ديسمبر 2012 لكن من دون أن يقدم الاعتذار، حيث قال “إن فرنسا تعترف بكل وعي “بالمأساة” التي تمثلت في قمع دموي تعرض له جزائريون كانوا يتظاهرون من أجل حقهم في الاستقلال”، وكان ذلك أول اعتراف رسمي من “فرنسا” بتلك المجزرة.

إحياء هذه الذكرى تزامن والمظاهرات السلمية التي نظمها الشعب الجزائري  منــذ اسابيــع من أجل المطالبة بالتغيير ورحيل رموز النظام السابق، وهي المظاهرات التي أدهشت العالم ومازالت تسترعي الاهتمام بالنظر لما أبانه المتظاهرون من سلوك حضاري في طريقة عرض مطالبهم، إلى جانب التعامل الإيجابي للشرطة مع المتظاهرين، لدرجة دفعت بالنشطاء في “فرنسا” إلى مطالبة حكومتهم بالاقتداء بتجربة “الجزائر” في طريقة التعامل مع المتظاهرين من “الستراء الصفراء”، لا سيما بعد تسجيل تجاوزات للشرطة الفرنسية التي انهالت على المتظاهرين بالضرب الذي يفوق الحدود.

ورغم الطابع العنيف الذي ميز طريقة تعاطي الشرطة “الفرنسية” مع متظاهريها اليوم، فإن تعاملها بالأمس مع الجزائريين والمتعاطفين مع القضية الوطنية يوم 17 أكتوبر 1960 قد تجاوز التوقعات، ليبقى هذا التاريخ أحد المراحل السوداء في تاريخ “فرنسا”، التي قابلت المتظاهرين المسالمين بوحشية ونكلت بهم أيما تنكيل، ورغم ذلك مازالت “فرنسا” الرسمية تصر على عدم الاعتراف بهذه المجزرة، خوفا من أن  تهز سمعتها كدولة تتباهى بأنها مهد حقوق الإنسان واحترام الحقوق والحريات والكرامة الإنسانية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock