تاريخ و هويةتدوين حر

الأكراد ولذة تكرار اللدغ من الجحر ذاته.

وليد عبد الحي

أعتقد ان قضية الأقليات (العرقية والدينية والقومية واللون والمذهبية..الخ) هي واحدة من أكثر الظواهر التي وصل فيها الفكر السياسي الى أكبر قدر من الفشل، فهذه الظاهرة موجودة في الدول الصناعية المتطورة( في أوروبا هناك 109 أقليات لديها نزعة انفصالية تتوزع على 25 دولة، وفي أمريكا الشمالية والوسطى هناك 6 دول تعاني من نفس الظاهرة، وفي الدول النامية :هناك 26 دولة آسيوية فيها اقليات ذات نزعة انفصالية، وفي افريقيا 29 دولة وفي امريكا الجنوبية 8 دول، وهو ما يعني ان هناك 94 دولة تعاني من وجود ظاهرة الأقليات ذات النزعة الانفصالية ولو بمستويات متباينة في حدة هذه النزعة واساليب التعبير عنها(عنفا أو سلما).
والملاحظ ان الدول الرأسمالية( امريكا او فرنسا او ألمانيا او كندا…الخ) تعاني من هذه المشكلة ، والدول الاشتراكية عانت منها( الاتحاد الوسوفييتي سابقا وروسيا حاليا، والصين ..الخ)، والدول الدينية( ايران وظاهرة الشعوبية في التاريخ الاسلامي لا تحتاج لنقاش)..ذلك يعني ان التاريخ لا يقدم لنا نماذج على الحل النموذجي لهذه القضية، فقد عجزت كل العقائد والآيديولوجيات الدينية والعلمانية عن حل هذه المشكلة(بخاصة إذا استبعدنا السرديات الرومانسية) دون أن انكار ان البعض خفف من حدة المشكلة لكنه لم يحلها.
وثمة مشكلة قانونية في هذا الجانب، فما هو العدد السكاني الذي يمكن أن نقبله لأقلية لكي تنفصل وتشكل دولة؟ فقد عالجت عصبة الأمم والأمم المتحدة هذه القضية مطولا ولم يصلوا لنتيجة، فلو قلنا ان الحد الأدنى للعدد المقبول لاقلية لتقيم دولة هو نصف مليون، فان الاقلية التي عددها ربع مليون سيكون لها الحق بالانفصال بعد 30 او 40 سنة بفعل التزايد السكاني ووصولها لنصف مليون…وهو ما يعني ان العالم سيبقى في حالة تمزق دائم، فإذا علمنا ان هناك حوالي 3300(ثلاثة آلاف وثلاثمائة) هوية ثقافية فرعية في العالم ، تبين استحالة ايجاد حل تام للمشكلة.
وعند تتبع نتائج السعي للانفصال تبين لي من دراسة سبق لي أن نشرتها قبل بضعة سنين أن العامل الجغرافي ( تواجد الأقلية على الحدود او في وسط الدولة+ تجمع الأقلية في هذه المنطقة او تشتتها في اقليم الدولة) كان متوفرا في تحديد احتمالات نجاح الاقلية في الوصول لأهدافها(الانفصال ) بنسبة 87%، فإذا توفر وجود مورد اقتصادي هام في منطقة الأقلية ارتفعت النسبة الى 97% لنجاح الانفصال، ذلك يعني ان المتغير الجغرافي ( الموقع والتجمع فيه) هو العامل الحاسم لنجاح الانفصال او تشكيل كيانية سياسية ذاتية.
الجحر الكردي:
من الضروري ان تتنبه الأقلية الكردية الى ما سبق ذكره، لكن هذه الاقلية ومنذ تجربة مهاباد أدمنت نخبها السياسية على اللدغ من ذات الجحر، ومع ان النزوع الكردي للتعبير عن الهوية القومية بكيانية سياسية مستقلة هو حق مشروع ، لكن معطيات الواقع تدل على :
أ‌- أن الأكراد يتمركزون في وسط اقليم سياسي معاد تماما لطموحاتهم القومية، فهم في “وسط ” الاقليم، وصحيح أنهم يقعون على اطراف دولهم فرادي( العراق- تركيا –سوريا- ايران)، لكنهم اقليميا يقعون في الوسط وهو ما يجعل احتمالات نجاحهم طبقا لنموذج القياس المشار له اعلاه هو 10-15% فقط.
ب‌- ان توزع الأكراد في دول سيادية عدة يجعل الاطار السياسي والقانوني لاحتمالات التناغم الحركي لهم شبه معدوم.
لقد مثلت تجربة برزان العراق قبل شهور دليلا على ما نبهنا له في دراسات عديدة، فقد فشل فشلا ذريعا، وإن الهجوم التركي الحالي على أقاليم كردية سورية هو أمر في نتائجه يصب سياسيا في مصلحة سوريا رغم اشكالية البعد القانوني لهذا التدخل، وهو ما على الاكراد ان يدركوه ، فالخلافات السياسية بين دول الاقليم لا تمنع من تعاونها إذا توهم الاكراد انهم قادرون على الصيد في المياه العكرة الاقليمية.
الجانب الاخير هو ” التوظيف السياسي من قوى اقليمية ودولية للموضوع الكردي،” فالاتحاد السوفييتي استغلهم واسرائيل والولايات المتحدة وشاه ايران في فترة من الفترات…ولكنهم تخلوا عنهم بمجرد تحقيق هذه القوى أهدافها ، ولعل الانسحاب الأمريكي من الشمال السوري لا يزيد عن كونه تذكير بالسمة التاريخية المستقرة في هذا الموضوع…فلماذا يصر الأكراد على استمراء ” اللدغ المتكرر ومن نفس الجحر”..؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock