تدوين حر

العزوبة و العنوسة في الخطاب المجتمعي في الجزائر

قبل الولوج الى الخطاب المجتمعي لكلمتي العزوبة و العنوسة وعلاقتها بالجنسين ، وجب ضبط المعنى اللغوي للمصطلحين . أولًا: كلمة عزوبة عرفها معجم  لسان العرب : ” عزب: رجل عَزَبٌ ومِعْزابة: لا أَهل له ؛ وامرأَة عَزبَةٌ وعَزَبٌ : لا زَوْجَ لها والجمع أَعْزابٌ. والعُزَّابُ : الذين لا أَزواجَ لهم ، من الرجال والنساءِ. وعَزَبَ يَعْزُبُ عُزوبةً ، فهو عازِبٌ ، وجمعه عُزّابٌ، والاسم العُزْبة والعُزُوبة، ولا يُقال : رجل أَعْزَبُ ، وأَجازه بعضهم. ويُقال: إِنه لَعَزَبٌ لَزَبٌ ، وإِنها لَعَزَبة لَزَبة. وتَعَزَّبَ فلانٌ زماناً ثم تأَهل ، وتَعَزَّبَ الرجل: تَرَك النكاحَ ، وكذلك المرأَةُ. والـمِعْزابةُ: الذي طالتْ عُزُوبَتُه ، حتى ما لَه في الأَهلِ من حاجة”.  أما كلمة عنوسة فقد عرفها ابن المنظور في لسان العرب في تعريف مادة عنس أنّ:” العنوسة من عنس، وهي الجارية إذا طال وقتها في بيت أهلها بعد إدراكها ولم تتزوج “، و”العانس من الرجال والنساء هو الذي يبقى زمانا بعد أن يُدْرِك ولا يتزوج” وجاء في القاموس المحيط لفيروز أبادي أنّ العانِس هي البنت البالغة التي لم تتزوج [والرجل الذي لم يتزوج]:طال مكوثها في أهلها بعد إدراكها، حتى خرجت من عداد الأبكار، ولم تتزوج قط. جمعها عوانس وعُنس وعُنَّس وعُنوس”، والرجل : عانس أيضا؛ والعانس هو “الجمل السمين التام”، كما أنّ العانس هي “الناقة الصُلبة “.

ومما سبق ذكره , نلاحظ أنَّ كلمتي العزوبة و العنوسة تُطلق على الرجل و الأنثى على حد سواء دون تفرقة في المعنى. و بالعودة للرؤية الاجتماعية للرجل و الأنثى ، نُلاحظ استعمال كلمتي ” عزباء و عانس” للأنثى ، أما الذكر فنادراً ما يُسمع وصفُ أحدهم ب ” العانس” ، وهو ما يمثل تهميشًا صريحًا لوضع الأنثى في المُجتمع. إنما صار أمر المرأة مرتبطا بالزواج ، فزواجها هو تحقيق لكرامة اجتماعية.

و انّ كان موضوع الزواج شيئا شخصيا ، إلا أنَّ مجتمعاتنا العربية عامة و المجتمع الجزائري خاصة ، يجعل من الأمر موضوع رأي عام. الجميع لديه الحق في حشر أنفه في وضعية الأنثى الاجتماعية ، واصفين اياها بالعانس “البايرة ” بنبرة قاسية تتسمُ بالسخرية ، و إنّ تحدث الأقربون عنها سيصفونها بال”مسكينة ” فهي لم تتزوج الى الآن. أما مُجتمعنا فهو يدعي التحرر أحيانا وقبوله لفكرة عنوسة المرأة ، إلا أنَّ التغامز و التلامز من طرف الجميع حاضر في كُل أحواله . والمُلاحظ أيضًا أنَّ إنجازات الأنثى العملية نادرا ماتُذكر في سياق حديث عابر قبل الحديث عن وضعيتها الاجتماعية،متزوجة أم عانس. أما الرجل فلا أحد يتحدث عن وضعيته الاجتماعية بتلك القسوة ، بل نادرا ما نسمع أفراد  مجتمعنا يتحدثون عن وضعية أحدهم الاجتماعية في حديث عابر ، نحن فقط نسمع عن انجازاته العملية ،فيقال : فلان طبيب…مهندس… أستاذ… اشترى سيارة جديدة …الخ

في الجزائر, الحديث عن العنوسة يرتبط بالإناث فقط و بمعيار السن ، فصار المجتمع يتفنن في اصدار مصطلحات جديدة لوصف الأنثى العازبة . فتارة يصفونها ب”البايرة” وتارة أخرى ب ” العاتق و الشارفة ” ، و تعدى الأمر حدود المصطلحات البسيطة الى جمل مُركبة ، فيقال :” مسكينة ما اعطاهاش ربي راجل”  و “كلات ولادها في كرشها”،” كي خطبوها تعززت وكي خلفوها تهدمت” . مصطلحات قاسية و سلبية ، تفعل بالأنثى ما تفعله الحرب في الأرض المُزهرة. حتى و ان كانت مؤمنة بقرارها الشخصي بالبقاء كعازبة ، فان حُكم المجتمع القاسي سيجعلها تبحث عن من يُؤَمنُ لها كرامتها الاجتماعية ، حتى و إنّ لم يكن أهلاً لذلك ستتزوجه لتثأر من مجتمعها.

و السائل يقول : ما السبيل إذا لتغيير النظرة المجتمعية للأنثى؟  كيف يمكن توليد توازن للنظرة المجتمعية للأنثى؟السؤال بقدر بساطته بقدر صعوبة الاجابة عنه،فالقول بأنَّ الأنثى كائن مُستقل ، هو قول خاطئ. فلا استقلال لأنثى ترتبط هويتها في المجتمع بزواجها من فلان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock