رصد سياسي

خبير إستشرافي يكشف السر العصيان المدنى و نظرية العتبات

رسائل كثيرة تدعوني للكتابة في موضوع العصيان المدني ، وبعض المستجدات ، ومنها رسالة من شباب مدينة ، يقولون في مطلعها ( نسألك بوجه الله أن تجيبنا ..) وفي الحديث الشريف ( من سئل بوجه الله فلا يمنع ) .

3- العصيان المدني :
هناك نظرية يسميها الاستراتيجيون ( نظرية العتبات) ولا يمكن أن نفهم أمر العصيان المدني والحراك الشعبي دون فهمها ، وسألخصها بطريقة سريعة في ما يلي :
تصوروا معي بلدا يحكمه نظام قمعي ، يقتل كل من يخرج عليه ، سيكون في هذا البلد شعب تعداده 10 ملايين نسمة ،
تقول نظرية العتبات ، يوجد من مجموع هذا الشعب ، 50 فردا من ذوي العتبة الأولى ، وهم أشخاص متهورون متمردون لهم جرأة تجعل الواحد منهم يقول ، دون أن يعرف بقية الخمسين :
( أنا مستعد للخروج بنفسي حتى وإن لم يخرج معي أحد) ، فإذا خرج هؤلاء فهم العتبة الأولى التي لا تشترط خروج غيرها لتخرج ، وعددها 50 فردا .
بعد هذه العتبة ، هناك في الشعب ألف (1000) شخص ، لا يعرفون بعضهم ، لكن الواحد منهم يقول : ( أنا لست مغامرا لأكون أول من يخرج ، لكن لو خرج خمسون شخصا ، فسأخرج ،وبالتالي حين يخرج الخمسون الذين يمثلون العتبة الأولى ، يخرج بعدهم الألف الذين يمثلون العتبة الثانية .
وهناك العتبة الثالثة التي عدد أفرادها 20 ألف ، لا يعرفون بعضهم ، لكنهم متشابهون في جرأتهم وتفكيرهم ، يقول الواحد منهم : ( أنا لا أستطيع أن أكون أول الخارجين ، ولا أستطيع الخروج إن خرج خمسون ، لكن لو خرج ألف شخص ، فسأخرج بعدهم .
وهكذا إلى أن يصل الأمر إلى الرماديين والمترددين، الذين يخرجون في عتبة عالية قد تكون السابعة ، ثم تأتي في الأخير عتبة الانتهازيين وراكبي الموجات ، ممن يقفزون من السفينة في العتبة العاشرة ، وهم يرون أن العتبة وصلت إلى 8 ملايين خرجوا من مجموع الشعب ..
لذلك تسعى الأنظمة إلى كسر عتبة من العتبات ، لئلا يأتي ما بعدها من العتبات ، فإذا خرج خمسون وقمعهم النظام ، فإن العتبة الثانية التي تضم ألف شخص ، لن تخرج ، وبالتالي لن يخرج ما بعدها ..
وتأصيل هذه النظرية في سؤال هرقل لأبي سفيان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فأصحابه يزيدون أم ينقصون ؟ قال يزيدون ) ..
اليوم .. وبقراءة الحراك حسب هذه النظرية ، نجد أن كل جمعة من الجمعات الثلاث للمسيرات ، كانت أقوى من التي تليها ، وكانت وتيرة تفكك النظام تزداد وتتسع . بالاستقالات ووصول الرفض إلى مناطق محصنة ، كالإذاعة والتلفزيون ، وهو ما يعني أن العتبات طبيعية بما يؤشر للنجاح .
فجأة ، يحدث ما يذكرني بالنظرية ( الميركانتيلية) في الاقتصاد ، وسأشرح ذلك في مقال آخر ربما إذا اقتضت الضرورة .
فجأة ، تأتي أوامر وبيانات ، يترك الناس بموجبها ( الاستمرار في الصعود في هذه العتبات) ، والتحول إلى أمر جديد قد يكون مغامرة ، وهو ( العصيان المدني) ..
ورغم ما قد يحققه هذا العصيان المدني ، فإنّه يعدّ مخاطرة ..
لِمَ ؟
لأنّ مجانبة نواميس الكون ، تأتي دوما بنتائج سيئة ، وقد كان المطلوب في هذه المرحلة تنمية المسيرة ، بتأطيرها ، وضبطها ، للمرور إلى العتبة الأخرى التالي .
لكن ذلك لم يحدث !!
كيف لم يحدث ؟
تصوّروا معي أحزابا سياسية معارضة .. يفترض أن تكون العتبة القادمة هي ( استقالة جميع برلمانييها ومنتخبيها في المجالس البلدية والولائية) ، لكنها حفاظا على مصالحها ، لا تقوم بتلك العتبة ، وتكتفي بالاجتماعات وإصدار البيانات ، والإيعاز ضمن العصيان المدني إلى عمال فقراء لا يملكون قوت يوم ، بأن يتركوا عملهم لخمسة أيام ، تضحية منهم ، بينما نوابهم في البرلمان من الذين أثروا بالمال العام ومرتبات ( 300000 دج) لا يقدمون أي تضحية ؟
فكيف ينجح عمل ، يضحي الشعب فيه بكل شيء وينضم إلى عتبات الحراك ، فإذا وصل الأمر إلى العتبة الجادة التي يجب أن يترك فيها الكبار امتيازاتهم ، لا يتركونها ويتشبثون بها ، ويكتفون بالخروج في مسيرات ؟
فتصوروا معي ، لو أنّ كل هذه الأحزاب التي تخدع الشارع بالاجتماعات والبيانات والخروج إلى المسيرات ، استقال كل برلمانييها ومنتخبيها دفعة واحدة .. وما سيحققه ذلك ، إذ سيكون عتبة كبيرة تأتي بعدها عتبة بداية استقالة وزراء ومسؤولين من الحجم الكبير ..
هذا أولا ..
أما ثانيا ، فهو سؤال خطير : ماذا لو أنّ العصيان لم ينجح ؟
لنفترض أنّ مدينة فيها 100 ألف ساكن ، عادة يخرج منها للمظاهرات على أكثر تقدير 20 ألفا .. يعني الخمس .. فهل سيظهر أثر هذا الخمس من مجموع المدينة ، إن هو لم يخرج من بيته أو لم يفتح محله ؟
نحن جميعا نعرف أنّ الذي سينجح من العصيان المدني هو الإضراب ، لأنّ الناس يبحثون عن راحة وعن غياب عن المدرسة والعمل ، وهو يتماشى مع الجميع ..
لكن إغلاق المحلات ليس كذلك ، وترك العمل للفقراء الذين يدأبون من أجل الغداء والعشاء ، ليس كذلك ..
لذلك ، لن تغلق الكثير من الشوارع والمدن أبواب محلاتها في اليوم الأول للعصيان ، وتدريجيا سيعود للعمل في اليوم الثالث والرابع حتى أولئك الذين أغلقوا محلاتهم في اليوم الأولى ..
فماذا لو حدث ذلك ، ولم تكن حسابات البيدر قريبة من حسابات الحقل ؟
يكون الحراك قد انتهى ، لأن الشعب لم يلبّ ، بحيث يقرأ النظام والعالم أنّ مجموع الشعب ليس مع الحراك ، وآنذاك يصبح الحراك شأن أقلية من حق الأكثرية أن تطالب بإنهاء تحكمها في شأن البلد وتوجيهه ؟
وإذا فشل العصيان ، فما هي الخطوة القادمة البديل ؟ الرجوع إلى المسيرات أم اجتراح نوع آخر للرفض ؟
أما ثالثا ، فإن النظام قائم على ( اقتصاد الريع) أي النفط ، وشركات النفط في عمومها غربية ( توتال وأناداركو ) وغيرها .. لذا فإن صناعة النفط لن تتوقف .. وعليه فإن الذي يتأثر هم الخواص أصحاب المحلات والشركات ، أما النظام فلن يتأثر ، لأن إنتاج النفط مستمر ..
هناك عدة أسئلة لا بد منها بعد هذا ، وهي :
– هل يعرف الشارع الخطوة الثالثة التي سيتجه إليها الحراك بعد المسيرات ، والعصيان المدني ؟ طبعا لا يعرف.
– ماذا لو أنّ النظام تجاهل هذا العصيان ، ولم يهتم به ، وأدرك الناس بعد انتهاء أيام العصيان ، أنْ لا شيء تغيّر..؟ هل يصعّد ؟ أم ييأس ؟
من الذي يعمل على الإبقاء على عدم تمثيل الشارع لنفسه ، ويستفيد من ذلك ؟ ولمَ لا تسمح القيادة الفعلية (الخفية) للحراك بظهور قيادة ذاتية له ، وتقوم بالتشويش في مواقع التواصل على كل شخصية مقترحة أو مبادرة في هذا الإطار ؟
رأيي أنّ المسيرات كانت مشروعا عظيما ، وقد حققت أهدافا عظيمة منها تحييد الجيش بسلميتها .. وبوعيها .. وكان من الممكن الصبر أكثر ، حتى يوم الانتخابات إن لم تتراجع السلطة ..
وتصوروا معي انتخابات تكون بدون حملة انتخابية ، لأنه لا النظام قادر على تنشيط حملة وتنظيم تجمعات أمام ظاهرة طرد ممثليه من المدن .. ولا جماعة المشروع الثاني يستطيعون التحرك في مدن ثائرة ترفضهم وتعتبرهم خطأ ..
ثم ، تصوروا معي مسيرات حاشدة تكون هي الأكبر ، يوم الانتخابات فتشل المدن ويكون من المستحيل معها إجراء انتخابات .. ثم تصوروا معي هل يكون بإمكان وزير الداخلية إعلان فوز مرشح السلطة أو مرشح المشروع الثاني عبر الاستمرار في التزوير ، بينما الشعب غاضب في الشوارع .. ؟
كان من الممكن ترقية المسيرات إلى يوم الانتخاب..
ترقيتها لتبلغ عتبات أخرى ..ومطالبة الأحزاب الاستعراضية بسحب منتخبيها من البرلمان والبلديات والمجالس الولائية ، بدل الاكتفاء من زعمائها بأن يلتحقوا بالمسيرات ، بينما هم جزء من النظام ..كما كانوا طيلة عقود جزءا من مؤسسات زورت الدستور ومررت أسوأ المشاريع والبرامج والقرارات ، وقد أضفى حضورهم شرعية على تلك القرارات ..
وجهتُ في كتابات سابقة إلى وجوب تأسيس التنسيقيات الجهوية ، أقول الجهوية ، لا الولائية ولا الوطنية .. بحيث يكون للغرب تنسيقيته وللجنوب ، وأكدت على أن تكون للعاصمة تنسيقيتها ، لأنها الواجهة ، ومن شأن أي جهة تريد الظهور والتمكن أن تحتل هذه الواجهة .. لكنّ الحراك لم يستوعب هذا النداء ، وسيدفع ثمن ذلك ..
هل تفهمون معنى أن يكون للعاصمة تمثيلها ؟ سيمنع أي جهة أخرى من الدخول إلى حيز اللعبة العاصمية ..
هل تفهمون معنى أن يكون للغرب تنسيقيته ؟ سيمنع ذلك أي جهة أخرى من أن تفرض نفسها قائدا للحراك ومسيّرا له وناطقا باسمه ..
هل تفهمون معنى أن تكون الجلفة والمسيلة وبريكة والبيض وبسكرة وورقلة بتنسيقية واحدة ؟
معناه أنّ بإمكانها معاقبة أي شخصية أو حركة تسيء إلى الحراك أو تنشر ما يفرقه أو يستفزه ، بمطالبة الملايين بعزل هذا الشخص وطرده من المسيرات لأنه عنصر تشويش ..
بذلك فقط سيظهر الحجم الحقيقي للجهات والولايات ، وستحس بعض الجهات المترببة اليوم ، أنها معزولة وضعيفة ، وأن قوتها ليست في ذاتها كما يتوهم البعض ، وأنها بذاتها ليست سوى حركات جهوية ستنطفئ لو تركها غيرها ، وهو ما يفرض عليها أن تعرف قدرها وتفهم أنها جزء من مجموع..
وقد بدأ ( تخلاط) الأحزاب السياسية المعروفة بـ (التخلاط) منذ ظهورها على الساحة .. وبدأ نشاط (الثورة المضادة) بإفساد سلمية المسيرات ، وبدأ بعضهم بالنزول من (ربوة) غزوة أحد لجمع الغنائم مبكرا .. وبدأت عمليات التزكية والتبييض لشخصيات ومؤسسات سوداء .. وكل ذلك من نافذة واحدة وهي ( تأخر الحراك عن هيكلة نفسه وإنتاج مؤطّريه ) ..
وإذا حدث أن دفع هذا الحراك ثمنا ، فإنه سيكون بسبب أنّ أمره لم يكن بيده ، بل بيد غيره ..
ثمّ ..من يتحمل مسؤوليته التاريخية .. ما دام أمره يشبه إلى حد بعيد أمر ( إضراب جبهة الإنقاذ) الذي انكشف بعد سنوات أنّ الفكرة سربتها المخابرات الإسبانية عن طريق الويزة حنون .. ؟
العصيان المدني آخر الدواء ، ووقته لم يحن بعد ..
ومن استعجل الشيء قبل أوانه ، عوقب بحرمانه .
نقطة .

محمد تميمي جربوعة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock