وطني

مريم باجي ….متحررات و عاهرات

في مجتمعنا عندما تولد الأنثى البعض يستقبلها برحابة صدر و فرح ، و البعض الآخر يلعن اليوم الذي حملتها فيه زوجته و يجعل منها نذير شؤم ، و هذا الأمر ليس بجديد ففي القدم كانت هناك معتقدات تشبه هذه الأفعال ، بل و كانت الإناث تدفن حية لتموت البريئة دون شفقة ، و إن تركها البعض حية تعيش طوال حياتها منبوذة و مجرد خادمة، و إن سئموا منها باعوها مثل الأثاث أو الحيوانات أو غيرها من الأشياء غير مهتمين لها و كأنها ليست من البشر .

و رغم نزول عدة رسائل سماوية تدعو لحماية المرأة و استلطافها و رغم وجود رجال الدين ( لجميع الأديان ) بكثرة حول العالم يدعون لمعاملة المرأة بطيبة ، و رغم تطور الحضارة و تسخير كل الإمكانيات عبر العالم لبناء مجتمع بعيد عن الجهل والتقاليد التافهة ، أو المبنية على الاستحقار أو الظلم ، إلا أن هناك مجتمعات كثيرة تحتقر المرأة و تعاملها مثل الحيوان أو الخادمة أو الدمية التي يتسلىَّ بها الرجل و يتركها عندما يمل ، و في عصرنا بالتحديد و في عدة مجتمعات أصبحت المرأة عند الكثيرين مجرد آلة جنسية لإشباع رغبات الرجل لا غير ، أي أن هذه التقاليد البالية ما زالت موجودة للأسف .

كثيرة هي تلك القوانين التي تحمي حقوق المرأة و تعاقب من يظلمها أو يتعرض لها بسوء ، لكن لو نتعمق في بعض المجتمعات نجد المرأة لا تمتلك حتى أبسط حق لها ، و يبقى السؤال المطروح : لماذا ؟ بل هناك عدة أسئلة أخرى نطرحها يومياً أهمها :

– لماذا رغم تطور الحضارة نجد شعوباً ما زالت متقوقعة في جهلها و تعامل المرأة بقسوة؟
– لماذا رغم وجود قوانين صارمة لحقوق المرأة إلا أنها تعيش العذاب في بعض المجتمعات؟
– و هل عادات الجهل إستطاعت أن تبقى موجودة حتى الآن و كانت مغطاة فقط؟ أم أنها عادت من جديد؟
للإجابة عن هذه الأسئلة يجب علينا تسليط الضوء على أحد المجتمعات التي تعيش هذا المشكل حتى نستطيع دراسة الموضوع جيدا ً، و أنا في تحليلي لهذه الظاهرة سلطت الضوء على المجتمع العربي .

في مجتمعنا العربي نجد نساء متحررات و أخريات عكسهن مثل المسجونات لا يستطعن حتى التعبير عن آرائهن مثل البقية ، هذه الفئة من النساء اللواتي يعشن التقييد نجد أن من منعهن من هذه الحرية هو رجل أو مجموعة من الرجال ، و هؤلاء الرجال هم في الأغلب يمثلون الأب أو الزوج أو رجالاً من الأقارب .

أما المتحررات نجد أن أغلبهن يحاربن في المجتمع العربي و البعض ينعتهن بأبشع الصفات و كثيراً ما يصنفن في زمرة العاهرات ، و سبب تصنيف المتحررات في زمرة العاهرات غير معروف ، مع أن التحرر لا يعني ممارسة الرذيلة ، و التحرر بمفهومه الحقيقي هو أن يستطيع المرء فعل كل ما يحلو له ، لكن هو لا يعني أن المتحررات سيفعلن كل ما يحلو لهن حتى في الجانب الشهواني الجسدي .
يوجد نوع من النساء تحكمهن مبادئ يقدسنها داخلياً وجعلن منها قيوداً تمنعهن من فعل بعض الأمور رغم أنهن يستطعن فعل أي شيء و لا يوجد شخص يمنعهم من ذلك ، و من دون أن يطلب منهن أي شخص الإمتناع عن ذلك ، لهذا نستطيع القول : ” أن عالم المتحررات ينقسم لنوعين ، النوع الأول يفعلن كل ما يحلو لهن ، و النوع الثاني يستطعن فعل كل أمر يردنه ، لكنهن يمتنعن عن فعل بعض الأمور بسبب مبادئهن ، وعليه من الخطأ أن نسمي كل متحررة بأنها عاهرة ” .

بالعودة لنظرة البعض للمتحررات بأنهن عاهرات ، تكثر في أذهاننا عدة أسئلة ، من بينها لماذا يرى البعض أن المتحررات عاهرات بالرغم أن هناك فئة منهن معروفات بأخلاقهن الطيبة ؟ لماذا البعض يحارب تحرر المرأة و في نفس الوقت لا يمكنها من حقوقها و لا يعاملها معاملة حسنة ؟

الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب تصفح بعض كتب علم النفس ، و زيارة بعض أطباء علم النفس لأننا بصدد محاولة تحليل طريقة تفكير الإنسان و معرفة سبب تصرفاته اللامنطقية و المتناقضة ، فهو من جهة يمنع إعطاء الحرية للمرأة ، و في نفس الوقت لا يعطيها حقوقها ، بهذا التصرف نلتمس نوعاً من الخوف يعيش في داخله ، و كأنه يفعل كل هذا خوفاً من حدوث شيء ما ، و إلا فلماذا هو مهتم كل هذا الاهتمام لدرجة الخوف من مخلوق ضعيف مثل المرأة؟!
و إذا تعمقنا في المجتمع العربي أكثر فأكثر نجد هذا المجتمع يعيش حالة خوف من تصرفات المرأة ، لأن أي تصرف لها خارج عن العادات و التقاليد و الأعراف يجلب العار لأبيها أو زوجها و عائلتها .

أجل سبب كل هذا الخوف و سبب معارضة التحرر هو أن المرأة مرتبطة بالشرف والتربية في بعض المجتمعات ، لهذا السبب هم يحاولون بشتى الطرق منع التحرر ، في نظرهم لو أعطوها حريتها ربما بل أغلب الشك هي ستفتعل أموراً مخالفة لعاداتهم و تجلب لهم العار ، و يراهم الناس بعد ذلك أرذل الخلق و ينبذهم المجتمع .

هذه العادات و التقاليد التي تسبب مخالفتها العار عند بعض الشعوب قديمة و من الأعراف المقدسة ، و عند البعض هي من بين مبادئ الدين ، لهذا السبب لا يستطيع أي شخص نزعها من عادات أو مقدسات الشعوب ، و أي محاولة لإنتزاعها سيسبب ثورة من أصحابها ، البعض يرى هذه الأعراف أو المبادئ ستكون سببا لعدة مشاكل في المجتمع لكن أصحابها يرونها حلاً لكل المشاكل ، خاصة في عصرنا لأنه من وجهة نظرهم هي محصنة لشرف الإنسان و حدوده و مكانته في المجتمع ، و في نظرهم أيضاً تحرر المرأة هو ما جعلها تنسى دورها الحقيقي في المجتمع ، و هو ما جعلها تتخلى عن شرفها ففسد المجتمع و كثر فيه العار و المشاكل و الأفعال الخبيثة ، و اختلط السيئ مع الجيد ثم أصبح الجيد لا يحسب له حساب أمام الجيد ، مما جعل المجتمع فاسداً و غير صالح للمعيشة .

قد نسأل أيضا عن سبب تكبير المجتمعات النابذة لتحرر المرأة لموضوع التحرر و نسأل أيضاً لماذا ترتبط المرأة بالشرف عند البعض ؟!

و الجواب على هذا السؤال سيجعلنا نقترب من حل لغز عقدة التحرر عند البعض ، و سأنطلق من أهم مبادئ بعض المجتمعات المتحفظة لفهم الموضوع جيداً .

عند بعض الشعوب يشترط في المرأة أن تبقى عذراء طاهرة ، و لزوجها فقط الحق في لمسها بعد الزواج بها فقط ، فالمرأة في هذه المجتمعات و حسب تقاليدهم أو دينهم ليس لديها حق في تمكين أي شخص من ملامستها أو ممارسة الجنس معها أو إفقادها عذريتها من غير زوجها ، هذه الضوابط موجودة عند عدة مجتمعات من بينها المجتمع العربي الذي يرى أن فقدان المرأة لعذريتها هو أكبر خطيئة وعار ، و في نظر أغلبهم أيضاً أن فقد المرأة لعذريتها يجعلها تصنف في زمرة العاهرات مباشرة ، و تكون منبوذة في المجتمع ، بل و يجب أن تحرم من حق الزواج ، و أن تطرد من بيت أهلها ، و بعد ذلك أهلها يراهم المجتمع بنظرات إحتقار ، و هذه أبسط العقوبات لها ، و في بعض الأحيان تصل عقوبتها لحد قتلها مباشرة قصد التخلص من العار ، و لأن هذه المجتمعات تخاف العار و المشاكل هي تحاول منع تحرر المرأة و تلجأ لتخويف المجتمع من التحرر بحجة أنه يجعل المرأة تفعل ما تريد و قد تنسى المبادئ و الأعراف و بالتالي ستجلب لهم العار .

أما حرمان المرأة من حقوقها و عدم معاملتها بأسلوب طيب قد يرى فيه البعض طريقة لتخويفها قصد منعها من التفكير في محاولة تجاوز حدودها ، و تذكيرها دائماً أنها مقيدة بأمور لا يجب تجاوزها ، و لكن هذه القسوة خلقت الجفاء و جيلاً بعد جيل نتج عندنا جيلٌ يحتقر المرأة كليا ً، و البعض يراها مجرد أداة للجنس أو التسلية فقط و لا يهتم لها، و بعضهم يقترب منها لمصالحه فقط و لا يميل لها مطلقا ً، كما أن البعض لا يحب التحرر حتى للنساء المحترمات ، لأنه حسب رأيه تحررهن سينقص من قيمة الرجل و ينهي دوره في الحياة .

الخوف و التخويف شيئان منعا بعض المجتمعات من العيش بسلام و من التصرف بعقلانية و من التفكير بحلول مفيدة و زادا من حدة و كثرة الإضطرابات النفسية و الوساوس في بعض المجتمعات ، و لو ركز بعض أفراد المجتمع على صنف المتحررات المحترمات لفهموا ما الذي يجب فعله ، و لوجدوا أن حل مشاكلهم بسيط جداً ، كل ما عليهم فعله هو تربية بناتهم على العقيدة الصحيحة الحسنة و المبادئ و الأخلاق ، لأنه في حقيقة الأمر حارس المرأة لم يكن رجلاً و لن يكون رجلاً، و محال أن يكون رجلاً ، حارس المرأة الذي يتحكم فيها و ينهاها عن فعل الأمور السيئة هو ضميرها و ذاتها المتأصلة بالمبادئ التي تكتسبها من التربية ، فكم من إمرأة رغم التقييد فعلت أبشع الأفعال ! و كم من إمرأة متحررة رغم الحرية كانت من العفيفات المحترمات !

لو فكرنا بمنطقية و جدية سنجد أن السر موجود في التربية الحسنة للأنثى منذ صغرها و زرع المبادئ في داخلها ، و لو فكرنا بمنطقية أيضاً سنجد أن للرجل دوراً مهماً في هذه الحياة لن تستطيع أي أنثى مهما كانت مميزة أن تأخذه أو تنزعه منه .

يوحرود هارون

مدون تقني لدى موقع رصد برس، أهدف إلى نشر الوعي التقني، يمكنك التواصل معي عبر حسابي على الفيس "هارون بوحرود"

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.