مختار أحمد الطيباوي ..مأزق الدولة الحديثة في الأزمة الصحية…؟

0

قبل فيروس كورونا كان الحديث في الغرب، في الدول الاجتماعية يدور حول التشخيص المتشائم عن “أزمة دولة الرفاهية الاجتماعية” ومحاكمة ضد الدولة الموزعة للثروات تحت شعار “إصلاح الدولة”.
وقد تمكنت آلة المصالح الليبرالية من إقناع النخبة السياسية من كل التيارات وموظفي الدولة والمثقفين والصحفيين وحتى النقابيين لتغطية هذا الإصلاح للدولة، وبمساعدة كبيرة من وكالات الإشهار.
وبطبيعة الحال لم يكن المقصود من هذا الإصلاح الليبرالي للدولة الاجتماعية إلا الخدمات العمومية حيث توجهت هذه الدول إلى خصخصة البريد، تقليص ميزانية المستشفى والتعليم العمومي.. الخ

أكثر هذه الإصلاحات مرت غير مرئية من القطاع العريض من الشعب، لم يشعر بها إلا عمال القطاع الذي أصابته، فكانت المعارضة لها محتشمة غير منسقة لأن الإعلام المتواطئ لم يغطها. تم تمريرها بالمراسيم والتوجيهات الحكومية التي لا يسمع بها المواطن تحت أسماء ضبابية وسرية، فلم يشعر بهذه المراسيم والتوجيهات الحكومية إلا المتضرر بنتائجها.
في نهاية هذا المسار لإصلاح الدولة المزعوم ضربت الخدمات الاجتماعية والمصالح العمومية يعني: النموذج الاجتماعي الذي قامت عليه الدولة الحديثة: الجمهورية والديمقراطية والعدل والمساواة وخدمة المجتمع.
في هذه العملية قام الاتحاد الأوروبي بإفلاس الرقابة العمومية على الاقتصاد، وأصبحت المنافسة والتي هي في غالب الأحيان غير أخلاقية القيمة الأساسية الوحيدة.
فشاهدنا إعادة صهر الخدمة العمومية للتشغيل workfare، ونمت ثقافة النتائج: تحديث الشرطة بإنقاص عددها وتكثير الكاميرات في الساحات العمومية فتكاثر مناطق الظل، وأصبح المستشفى مريضا بالربحية [1]

وحاولت الحكومات الالتحاق ببريطانيا وأمريكا في الطب بسرعتين: طب الأغنياء وطب الفقراء، مع أن النظام الطبي في فرنسا وألمانيا نشأ على النموذج البيسماركي حيث تمثل ميزانية الصحة من 11 إلى 16 % من الدخل القومي الخام.

في حين حافظت ألمانيا على قوة منظومتها الصحية بتدابير جانبية أهمها بقاء أهم الصناعات الصيدلانية والطبية على أراضيها انهار النظام الصحي في فرنسا التي أغلقت 100 ألف سريرا في عشرين سنة، وحتى أدوات الفحص الطبي عن الفيروسات أصبحت تستوردها، والشركة الوحيدة التي تنتجها على أراضيها مملوكة بالأغلبية لشركة أمريكية وجهت منتوجها لأمريكا.
أكبر مصنع لأجهزة التنفس الاصطناعي شركة air liquide بمداخيل تقدر بـ 33 مليار دولارا سنويا والبلد يشكو من عجز رهيب، لا يملك إلا ستة آلاف سرير إنعاش لما يقرب من 70 مليون نسمة.

بلد الموضة لا يصنع الكمامات الطبية لأنه يستورد الفلتر من الصين، وكل المواد الفعالة التي تدخل في صناعة الدواء يستوردها من الهند أو الصين مع أنه يملك شركاء دواء كبرى لأنه من أجل الربح بيد العمل الرخيصة رحَّل صناعته إلى هذه البلدان.

الإدارة الرأسمالية للتعليم وخاصة لقطاع الصحة كشف فيروس كورونا محدوديتها ولا أخلاقيتها.
بدون شك ستكون هناك محاسبة سياسية كبيرة في الدول الغربية، سيعاد النظر في مفهوم مركزية الإنسان وبيئته في سياسة الدولة، وهل الاقتصاد هو كل شيء وبأي ثمن، وهل هناك اقتصاد آخر لا يقوم على المضاربات المالية في البنوك والبورصات؟
هذا النموذج الليبرالي للدولة الحديثة الذي ربى الشعب على اللهو والمجون وصناعة الفرجة يجد صعوبة شديدة في ابقاء الناس في بيوتهم لأن الإنسان الغربي اعتاد على العيش المرح خارج البيت فارتفعت نسبة الاعتداء على الزوجات كما ارتفعت نسبة استهلاك المخدرات.

في هذه الأزمة اكتشف الإنسان الغربي الاستهلاك المحلي للمنتجات الفلاحية المحلية، كما اكتشف هشاشة دولته وهشاشة أسلوب حياته، وأن الدوباج بالأدوية لا ينفع مع الفيروسات.
كما اكتشف أنانيته حيث تبخرت شعارات التضامن بين الدول الغربية ونشب الصراع على المواد الصيدلانية والطبية فظهرت حالات قطع الطريق على هذه المواد في الحدود، وشاهدنا تضامنا سطحيا بين الأفراد فأهمل كبار السن في دور الرعاية بعدما فر العمال إلى بيوتهم فماتوا جوعا أو لعدم تلقيهم أدويتهم اليومية.

مع انتشار الفيروس تفشى مرض الخوف من الآخر: أصبح الناس يصفقون من شرفات بيوتهم على عمال القطاع الصحي تشجيعا لهم، لكنهم لا يريدونهم أن يسكنوا معهم، أو أن يقفوا بجوارهم في المحلات التجارية…!
اكتشف الانسان الغربي هشاشة دولته، دولة بدون استشراف وتوقع أربكها فيروس وإن كان شديد العدوى او سريع الانتشار لكن مع خطورة محدودة لأن الخبراء فيها أصبحوا اقتصاديين يفكرون بالقياس على الحالات السابقة؟
لقد نجحت الدولة الحديثة في علمنة نفسها ليس لأن الناس اقتنعوا بالعلمانية بقدرِ ما هو مُتعلِّق بتضاعف ذي دلالة لتوقُعات الشعوب من مؤسَّسات الدولة والقطاع العامِّ، ومن الحكومة، كما تنبه إليه فكلاف هافل.
هذه المؤسِّسات يرتبط نجاحها بقدرتِها على التخطيط لِلاستجابة لتوقُعات الشعوب لذا تُضاعف باستمرار سيطرتها على الحياة الإنسانية من خلال إضافة قواعد جديدة، وصياغة ممنوعات ومحرَّمات وحوافز ضريبية، لكن مع ذلك أخطأ الطاغوت هدفه، فتبخرت آمال السعادة المخطَّط لها، فأصبحت الثقة في الدولة غير مُبرَّرة، ولم يبق لدى الشعوب إلاَّ خيبة أمل واسعة في النخبة السِّياسية كما لاحظ هارولد جيمس.
يقول نفس الكاتب المؤرخ: خلال الأزمة الأوروبية كان الأوربيون راضين جداً، ومقتنعين بأنَّ لديهم أحسن المؤسَّسات، فلم يفقدوا فقط حس التواضع والشعور بهشاشة براعة الإنسان لكن كذلك معنى السُّلطة والإبداع الأصيل لكلِّ فرد.
ومع هذه الأزمة زادت خيبتهم وسيكون لها حديث.
يصبحُ النِّظام السِّياسي في أزمةٍ في الوقت الذي يفقدُ فيه هالة التعظيم والتقديس، وديناميكية التفاعل بين البشر مخالفة بشكل جوهري للإكراه السلطوي العلماني لأنه لا يفرض على الناس أن يكونوا الأفضل ماديا ولكنه يسمح لهم بالتكيف مع المتغيرات، فمصدر إلهام البشر بالتضامن هو الله، وليس مبدأ التنافس اللاأخلاقي.

إنَّ تنامي عدم المساواة [نأخذ من الفرد بحسب قدرته ونعطيه بحسب حاجته] لا يُسهل التفاعل بين النَّاس بل يبني الحدود الفاصلة إضافةً إلى أسباب متعدِّدة أُخرى تذهب من السِّياسة النقدية والمالية إلى تفكُّك العائلة التقليدية، وتآكل مؤسَّسة الزواج التي حطَّمها الطلاق بسبب العلاقات خارج الزواج، إلى نسبيَّة متطرفة تريد أن تجعل جميع القيم متكافئة.
إنَّ تجربة الدولة العلمانية الغربية الحديثة تدعونا إلى الشكِّ في قدرة “الدولة الأخطبوط” في حلِّ كلِّ المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، فبريق هذه الدولة سببهُ الازدهار الاقتصادي، ومع تنامي الفقر أُصيبت كرامة المواطن، وحينئذ تقترح هذه الدولة التي هي في حقيقتها جمعية أشرار الإكراه على الضريبة بينما يقترح الدِّين أوَّلا الصدقة والزكاة المبنية على المحبَّة والتعاطف بين النَّاس ثمَّ الضريبة بقدر الحاجة [2]
ما جدوى قوة الاقتصاد إذا لم تعد الفائدة على الشعب بخدمات عمومية جيدة، ما نفع هذا الاقتصاد إذا لم يستخدم لتضييق الهوة بين الأغنياء والفقراء؟
ما نفع الدولة التي لا تجعل في مقدمات أولوياتها الإنسان بحاجياته الروحية والحياتية الضرورية …؟
أما في البلاد العربية فيوجد قطاع صحي لا توجد منظومة صحية، لأن المنظومة تعني دوران عناصر مختلفة متسقة تحت أصل واحد وهو ما لا وجود له عندنا، بعض البلاد كبلدنا ورث قطاعا صحيا خربه النظام السابق وبزنس في صناعة الدواء والمواد الطبية والصيدلانية كعادته، مع تكوين علمي رديء جدا وهجرة الكفاءات، والمحصلة القطاع العمومي هش والقطاع الخاص مجرد تجارة.
…………………………..

المراجع:
1 ـ أنظر مقال أندري غريمالدي في كتاب ” تفكيك الدولة “مجموعة مؤلفين ،لا ديكوفارت ،باريس 2010.
2 ـ مقالي: ” هل تقتل العلمانية الدولة الحديثة؟”.