مالك محمد.. سلسلة ” السير إلى المستقبل ” الحلقة الثالثة : مآلات الخطاب العنصري على القنوات الفضائية

0

سلسلة ” السير إلى المستقبل ” 
الحلقة الثالثة : مآلات الخطاب العنصري على القنوات الفضائية 
هناك جوقة منظّمة تردّد نغمة موحّدة مدروسة بعناية بأسلوب سايكولوجي وفق نظريتين خطيرتين : 
النظرية الأولى : هي نظرية ” الرصاصة السحرية ” أو “الحقنة تحت الجلد ” التي قال بها ” هارولد لازويل ” ، و هي نظرية في علوم الاتصال النفسية تعتمد على الصدمة و تفترض أن الأشخاص ليسوا إلا مجتمع جماهيري من مجموعة من الأفراد المنعزلين (هي نظرية تأثرت بفكر فرويد) و افتراضت أن للإعلام تأثيرات عنيفة ومفاجئة على أولئك الأفراد الذين يتلقون الرسالة الإعلامية منعزلين فتشكل لهم تلك الطريقة العنيفة الصادمة نوعا من الكبت و التبكيت و الذهول المؤدي للاستسلام للرسالة و لو كانت كاذبة أو غريبة أو حتى غير معقولة و هذه النظرية مطبقة بحذافيرها في القنوات العنصرية اليوم و تستهدف الأغلبية الشعبية لتطويعها للخرافة العنصرية عن طريقة الصدمة و احتكار المشهد. 
النظرية الثانية : هي نظرية الإنماء الثقافي (وتسمى أيضا بالغرس الثقافي)”ظهرت هذه النظرية في أمريكا خلال عقد السبعينيات كمنظور جديد لدراسة أثر وسائل الإعلام.
تقول هذه النظرية، أن مداومة التعرض للتلفاز ولفترات طويلة ومنتظمة تنمي لدى المشاهد اعتقادأ بأن العالم الذي يراه على شاشة التلفاز ما هو إلاّ صورة من العالم الواقعي الذي يحياه ، وهذه النظرية مرتبطة بالجهود التي طورها الباحث الأمريكي “جورج جربنر” و هذي تستهدف طرفين : 
– الأول : أبناء الأقلية الذين يراد تجنيدهم في المشروع العنصري فتكون عملية الغرس الثقافي عن طريق نظرية فرعية في علوم الاتصال تتفرع عنها هي ” نظرية تأثير النموذج ” تقول هذه الأخيرة أن تعرض الفرد لنماذج السلوك التي تعرضها وسائل الإعلام تقدم للفرد مصدرا من مصادر التعلم الاجتماعي، مما يدفعه لتبني هذه النماذج في سلوكه اليومي (الحلم الأمريكي من خلال السينما- فتيات الإعلانات) فعندما يتم تقديم لاعب رياضي في الكيغ بوكسينغ كما حدث على بعض القنوات و يقدم نفسه على أن الذي يشحنه للفوز في الحلبة و مكّنه من نيل الألقاب هو أصوله العرقية القبائلية و ليس الكفاءة الرياضية و ليس اللياقة البدنية و ليس المهارة و ليس الإجتهاد في التدربب و التركيز و الطموح و كلها محفزات نبيلة بعيدة عن التعاطي العنصري البعيد كل البعد عن التوظيف العنصري ، أقول عندما يحدث أن تقدم الأمور إعلاميا بهذا الشكل فإن هذا الشخص بذلك الخطاب العنصري يتحول إلى نموذج يحتذى لدى أبناء الأقلية وفق نظرية تأثير النموذج الذي طورها ” جورج جربنر” .
– الثاني : أما الطرف الثاني المستهدف من التطبيق الخبيث لنظرية الإنماء الثقافي في شقها السلبي الخبيث إلى جانب تأثيرات النظرية الأولى ” نظرية الرصاصة السحرية ” لهارولد لازويل فهم أبناء الأغلبية الشعبية الذين يراد استعبادهم على المدى الطويل من طرف هذه الشراذم المؤدلجة عنصريا حيث يراد من خلال النظرية الثانية ” نظرية الإنماء الثقافي ” ترسيخ مفاهيم الدونية في ذواتهم عن طريق الصدمة و ترسيخ قبولهم بالطبقية النفيسية أمام شذّاذ الآفاق العنصريين عن طريق غرس الأكاذيب و التأكيد عليها و تحويلها لمقدّسات غير قابلة للنقاش أو النقد و استهداف كل من يتطرق لها بالنقد أو التصحيح أو الفضح ، فحين يعدم تصريح عنصري لصحفية أو محلل أو كاتب أو رياضي يستضاف على تلك القنوات العنصرية ملايين الأفراد و الأسر من العرب و يطعن في أعراقهم و أنسابهم و ينهي وجودهم بجملة واحدة بات ترديدها مدروسا و محافظا عليه بانتظام بتعليمات سرية خبيثة من الأوكار بتلك الكلمة الوقحة ” الشعب الجزائري كله أمازيغي ” ، و هكذا بكل سفاقة تعدم الملايين لتمرير نزوات جماعات تم تسميمها عنصريا و إيديولوجيا ، كل ذلك يحدث تمهيدا لاستعادة قانون الأنديجان من غياهب الماضي و تجديد العمل به ، و الناظر المدقّق يرى أن مثل هذه التصريحات و السلوكيات و الخرجات الإعلامية ليست فوضوية أو فردية أو غوغائية أو عشوائية ، بل بالعكس تماما إنها خرجات مدروسة بعناية فائقة وفق أسس خطيرة من عمل النفس و الإجتماع لتكريس واقع مستقبلي بات يهندس في الأقبية الإستعمارية هناك و العميلة هنا لإعادة هندسة المجتمع و الدولة وفق منظور إستعماري جديد لن تنجو منه حتى مؤسسات الدولة ، أولم يصنف الجيش الشعبي الوطني في بداية الإنقلاب من عام 92 بالطاعون و المعارضة الاسلامية الممثلة آنذاك في ” الفيس ” بالكوليرا ؟! ، إذا ما يخطط مجتمعيا و سياسيا و إداريا و حتى اقتصاديا لا يستثني أحدا سواءا أبناء الأهالي بين أفراد الشعب أو في مؤسسات الدولة لأن النزعة نزعة إستعلائية إستئصالية عنصرية مقيتة إذا ما قدر لها أن يستمر الصمت عنها و عن تخريبها سيكون لتخريبها آثارا وخيمة على هيكل الدولة و بنية المجتمع و سينتهي هذا التخريب باحتراب أهلي داخلي لذا وجب على من بقي فيه ذرة من مسؤولية أو وطنية أن يضع حدا لهذا التخريب و هذا الحفر العميق الخطير الذي ينخر أسس المجتمع الجزائري و ليلزم الأبواق الإعلامية كلها بلا استثناء بقيود الموضوعية و مقتضيات السلم الأهلي و أن يلزم قنوات الصرف العنصري على وجه الخصوص بالتزام أخلاقيات المهنة كما على الجهات القانونية أن تتخذ الإجراءات اللازمة قانونيا لتجريم هذا المد العنصري العلني المفضوح عل قنوات أثرياء الحرب الأهلية كما وصفها وزير الخارجية الأسبق في كلمة له في البرلمان الفرنسي كممثل عن الدولة الجزائرية حتى لا ينسب التوصيف لنا .
أخيرا أقول أن مشروع الجبهة الشعبيةلإنهاء الوصاية الفرنسية لم يأت لإحياء بيان أول نوفمبر بوصفه وثيقة مثّلت توفيقا إلهيا لتلك الثلة الصادقة و الذي كان من أهم عباراته الخالدة ” احترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني ” لم يكن إعتباطيا بل عن دراية عميقة لما يدبر لشعبنا في الأقبية المظلمة و التي خلصت إلى أن الطريق الأمثل للإجهاز على الأمة و الدولة و المجتمع هو إحياء النزعة العنصرية بين مكوناته التي جمع بينها الإسلام و أبى العنصريون إلا أن يعيدوا إحياء ما دفنته ثورة التحرير المباركة من نعراتها.