مالك محمد..سلسلة ” السير إلى المستقبل ” الحلقة الثانية :

0

ما شكل النظام التي تعمل على هندسته فرنسا في صمت في الجزائر عبر وصايتها؟ 
كنا قد فصلنا في الحلقة الأولى حول حقيقة أهداف الإستعمار الخفية المتمثلة في المحاصصة و تضليل تلك المعلنة التي يتم وصفها بالتقسيم و في هذه الحلقة نسقط هذا على الحالة الجزائرية فنقول :
بعد أن احتلت فرنسا الجزائر عملت على محاولة استئصال الديمغرافيا و تطويع ما يمكن أن يتبقى منها عبر التنصير و المسخ لاستكمال الرسالة المقدسة للكنيسة الكاثوليكية التى بدأتها في الأندلس عبر محاكم التفتيش ، و لكن المقاومة العسكرية المتمثلة في انتفاضة عشائر المقاومة الشعبية و كذا المقاومة الثقافية التي أبداها الشعب الجزائري المسلم و انتهاءا بثورة التحرير المجيدة جعلت فرنسا تعيد النظر في طريقة تحقيق مشروعها الخبيث القديم الجديد عبر إحياء مشروع ملوك الطوائف في المغرب الكبير هذه المرة للتمهيد لاستكمال محاكم التفتيش .. حلم الكنيسة الخالد في المغرب العربي الكبير ، و كان رائد هذا النهج الخبيث هو ماسينيون ثم ديغول من بعده فاليهودي بن سوسان المدعو جاك سوستال .
فكان أن ركزت الإدارة الفرنسية أن أحيت مشاريع التفتيت الناعم بعد أن علمت أن الحل العسكري و سياسة المجازر لن تجدي نفعا مع شعب يؤمن بالشهادة و بما وراء الموت من نعيم الجنة ، فرأينا كيف هندس بيان مؤتمر الصومام و الذي جاء ليفرغ الثورة من كل محتوى عقائدي بإلغاء جملة ” في إطار المبادئ الإسلامية ” و ليجردها من بعدها القومي العربي فرأينا كيف شيطنت أرضية الصومام عبارة بيان أول نوفمبر ” إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الإجتماعية ذات السيادة في إطار المبادئ الإسلامية ” و وصفتها ب ” الحكم الثيوقراطي ( theocratie revolues )الذي لا ينبغي أن يقام في الجزائر ” ، كما رأينا أن الطائفية التي نجح بيان أول نوفمبر في محوها و معالجة الذهنيات التي تورطت فيها رأينا أرضية الصومام تحييها من جديد بتأكيدها على مصطلحات من قبيل ” البورجوازية العربية ( bourgeoisie arabe ) , الإمبريالية العربية ( imperialiste arabe ) ، الهمجية العربية ( barbarie arabe ) , و هذه مصطلحات لا تليق ببيان يسعى لتوحيد الجميع ضد الإستعمار و هذا كان الدليل القاطع على أن فرنسا تسللت للثورة , فرأينا نكوسا و ارتدادا لما كانت تروج له فرنسا من طائفية في حين كان بيان أول نوفمبر خال من التخندقات العرقية و الطائفية و الجهوية و هذا كان سبب التفاف الشعب حوله بينما لم يجتمع على أرضية الصومام حتى المجاهدون أنفسهم .
بعد هذه الخطوة رأينا كيف أن الأمور تطورت إلى اتفاقيات كرست وصاية المستعمر على مؤسسات الدولة و على المجتمع ، إلى أن جاء الإنفتاح عقب أحداث أكتوبر 88 المفتعلة و المهندسة سلفا ، ذاك الإنفتاح الذي أنجب أحزابا طائفية عرقية و جمعيات و منظمات لا تخجل حتى بحملها لمشاريع طائفية و جهوية و عرقية بل و تتبجح باستنادها على مستعمر الأمس و بدأنا مرحلة جديدة من التيه و الحرب الشعواء على الهوية النوفمبرية و كاتت ردة بكل المقاييس ، و لا تزال هذه الإستراتيجية في ترسيخ الطائفية مستمرة بهدوء و لكن بثبات و تعمل فرنسا على تجذيرها في المجتمع الجزاىري عبر وصايتها المفروضة و وكلائها المنبثين في دواليب السلطة .
هنا علينا أن نجيب عن السؤال الذي طرحناه سابقا :
— ما شكل النظام التي تعمل على هندسته فرنسا منذ اتفاقيات إيفيان ؟
و الجواب هو أن فرنسا حتى تضمن شلل الدولة الجزائرية فعليها بتكريس نظام المحاصصة في الحكم بين مكونات الشعب الجزائري لا على مبدأ الكفاءة و لكن على مبدأ الطائفة و العرق و الجهة فلا زلنا حتى سنة 2019 نسمع مصطلحات من قبيل جماعة آزفون و جماعة ندرومة ، صراع زواوة زوارة ، جماعة الشرق و جماعة الغرب ، و فرنسا بطبيعة الحال تحافظ على نفس المسافة من الجميع و تتواصل مع الكل بنفس الطريقة الخبيثة التي تدير بها لبنان الذي سرطنته بالمحاصصة الطائفية حيث تجد فرنسا هناك تحتضن ميشال عون الماروني و تعترض على تصنيف حزب الله الشيعي منظمة إرهابية في مجلس الأمن و تتدخل لإطلاق سراح سعد الحريري العلماني السنّي من سجن بن سلمان و تدعم التواجد السوري النصيري في لبنان و تتواصل مع أرمن لبنان و شركسه و تدير المحاصصة و تمنع أي محاولة لإنهائها . 
هذه السياسة الخبيثة هي التي جعلتنا على مدى عقود نسمع مطلح التوازنات بدل مصطلح السياسات و نرى الطائفية و الجهوية و العنصرية تقضي على مفاهيم الكفاءة و الوطنية و النزاهة و حتى مفهوم الأخلاق .
هنا جاء مشروع الجبهة الشعبية لإنهاء الوصاية الفرنسية لتعيد الناس للبيان المبارك الذي لا مناص من العودة إليه للخروج من قفص المحاصصة الجهوية و الدشروية إلى رحاب المسؤولية الوطنية و الكفاءة السياسية و الإدارية و من واقع التخندقات الفئوية إلى رحاب الوحدة الوطنية ، على أمل أن نقلع كمجتمع لبناء الدولة التي نص عليها بيان الفاتح من نوفمبر بعيدا عن دسائس ديغول في إيفيان .