قراءة في رواية “الديوان الإسبرطي” الحائزة علي جائزة البوكر

0

يقول عملاق الأدب الروسي ليو تولستوي :” الكتاب الذي لا يستحق أن تقرأه مرتين ، لا يستحق أن تقرأه مرة واحدة ” .

أنا عن نفسي لم أكن أؤمن بهذه المقولة فأنا غالبا لا أحب التكرار والإعادة ، لكن منذ عام قرأت رواية الديوان الإسبرطي لعبد الوهاب عيساوي ، حقيقة الكاتب ليس غريبا علي فسبق و أن قرأت له رواية سييرا دي مويرتي “جبل الموت”، ورواية الدوائر و الأبواب ، في الواقع الروايتين اللتين سبقتا قرائتي للديوان الإسبرطي شكلت لدي قناعة أن هذا الروائي متميز و يفوق نظرائه العرب اللذين وقعوا بين إشكالية كتابة ترضي المجتمع أو تكون مع أو ضد الدين ، الروايتين شكلتا لدي أيظا قناعة تامة أن هذا الروائي تتميز كتابته بقوة اللغة و السرد ثم إنني تواصلت معه بعد ذلك و تأكدت أن رواياته تعكس شخصيته المتميزة و طيبته و سمو أخلاقه وهذا ليس بشيء غريب عن أبناء مدينة الجلفة الطيبين .

عند قرائتي للديوان الإسبرطي لأول مرة لم أكن ناضجا بما فيه الكفاية ، حيث كنت قارئا جديدا للروايات كصنف أدبي ، لألج بعد ذلك الأدب العالمي الياباني و الروسي على وجه التحديد ، لكن ترك في الديوان أثرا لما يفوق العام و مسني الحنين إليه فعدت لقرائته بعد ذلك .

في قرائتي الثانية التي إنتهيت منها يوم الأمس 27 مارس 2020 ، أدركت أن هذه الرواية تضاهي ما كتبه اليابانيون أو الروس اللذين دونوا أدبهم بدمائهم فبقيت خالدة إلى يومنا هذا و ستبقى .

قراءة في الديوان الإسبرطي :

أولا : الفترة مابين 1815 م و 1833 التي شهدت تحولات كبرى في الجزائر من تواجد عثماني و أعقبته الحملة الفرنسية ، قلما تحدث عنه الادباء بصيغة الرواية و يعزى ذلك إلى قلة المصادر من جهة و التاريخ الذي شابه التدليس من ناحية أخرى ، ناهيك على أن هذه الفترة حساسة جدا عرفت تغير وجه الجزائر العاصمة ” المحروسة بالله” و الجزائر ككل .

ثانيا : تطرح لنا الرواية ثلاث وجهات نظر تترجمها شخصيات الرواية ك: إبن ميار ذلك التاجر الجزائري الذي يرى الخلاص في العثمانيين و الصحفي الفرنسي ديبون الذي يعتبر الحملة الفرنسية كفتح لإفريقية لإعلاء كلمة الرب ، وحمة السلاوي الذي يرى أن كلا من الفرنسيين و الأتراك لم يأتوا للجزائر إلا رغبة في نهب ثرواتها ووجب الثورة بالسلاح لقيام دولة يحكمها الجزائريون بأنفسهم عكس إبن ميار الذي ٱثر المقاومة السياسية .

ثالثا : يروي الراوي على لسان حمة السلاوي :
” أهل المحروسة مهزومون هلى الدوام و متخاذلون ، يجعلون الدين حجة يتصبرون بها ، و يطأطئون رؤوسهم إيمانا ثم يهمسون إنه مكتوب من الله ، سندعو يوم الجمعة ليرفع عنا الغبن ويهزم أعدائنا ، أردت الصراخ عند أبواب المساجد : أيها المصلون أين كنتم يوم كنا في سيدي فرج و سطاوالي ؟! ، الناس يحتمون من ضعفهم و من خذلانهم و من بوار تجارتهم و من ظلم الأتراك و من خيانة زوجاتهم و من عقوق أولادهم و من كل الأشياء التي تنهكهم يحتمون بالله ، ولا يريدون تغييرها بأنفسهم ، يعتقدون ان الله منع عنهم المطر ، و أصابهم بالقحط و الوباء لأنهم لا يصلون كفاية ولا يزكون من أموالهم ، و يشرب بعضهم الخمر خفية ، ولكنهم لم يفكروا يوما في الثورة”
” ليس البغاء أن يكون جسدك مشاعا ، بل أن تبيع روحك للذي بغى عليك و على أهلك ” ، نلمس في هاذين الإقتباسين و غيرهما كثير ، نقدا جريئا من طرف الراوي للمجتمع الجزائري ، و الذي يتبين لدينا جليا أن ذهنيته لم تتغير منذ تواجد الأتراك أو قبل ذلك .

رابعا : طريقة سرد الاحداث ممتازة تجعلك تعيشها زد الوصف الدقيق ليجعلك تتخيلها بسهولة كما أن بناء الشخصيات متكامل يبث فيها الحياة بقلبك كما يضيف الفلاش باك صبغة جمالية ، بالإضافة إلى قصة الحب الملتهبة بين السلاوي و دوجة.
و قصة دوجة المأساوية التي ستجعلك تذرف دموعا لأجلها رغما عنك .

ستجعلك الرواية تطرح تساؤلات عديدة على نفسك منها : كيف كان سيكون حال الجزائر إن لم يكن هناك إحتلال فرنسي ؟ و ما الذي حدث بالهوية الجزائرية ماقبل الإحتلال ؟ أي إنجاز قام به الباشاوات العثمانيون بالجزائر غير بناء المساجد و الإغارة على السفن الأوروبية ؟

في الأخير الرواية تستحق أكثر من قراءة وهي أفضل رواية تاريخية قرأتها على الإطلاق ، أتقدم بشكري الخالص للكاتب عبد الوهاب عيساوي ، فهذه الرواية أكبر من أن تقيم بالجوائز ، كما أن أي مراجعة لن تعطيها حقها ، و عليه يجب أن يقرأها كل مهتم بالتاريخ .

بقلم سيدو الأندلسي