ثقافة

فن الراي الجزائري

الراي مصطلح جاء من كلمة ” الرأي ” أو “الرؤية” و ربما جاءت هذه الكلمة للإشارة للأغاني بأنها تعبر عن رأي أفراد من الشعب حول ما يمرون به ، و الراي هو حركة موسيقية غنائية ، بدأت في المنطقة الواقعة بين الغرب الجزائري و الشرق المغربي ، و تاريخ هذا الطبع الغنائي قديم حدد بعض الباحثين تاريخ نشأته إلى زمن التدخل الإسباني في الجزائر في القرن 18 أما مكان نشأته كان في مدن غرب الجزائر ” وهران و سيدي بلعباس ثم عين تموشنت ثم غليزان ” ثم إنتقل إلى مدن شرق المغرب في كل من وجدة و بركان و جرسيف و السعايدية .
الراي اليوم ليس كالراي أول نشأته ففي بداية ظهور هذا الفن كان من يغنيه يعرفون بالشيوخ و الشيخات ثم في أواسط السبعينيات ظهر لقب آخر و هو الشاب و الشابة كإشارة للتجديد الكبير الذي ظهر على هذا الطبع الموسيقي بعدما أصبح لهذا الفن فنانين شباب ، و يعتبر فن الراي أيضا نوعا من ” أنواع موسيقى الراب ” التي تعبر عن مجريات الشارع و قضايا المجتمع .

بدأت قصة ظهور فن الراي بشكل رسمي بمدينة وهران عام 1920 حيث كانت الجزائر لازالت تحت حكم الإستعمار الفرنسي ، و من أعماق ذلك المجتمع المُحتَل المفروض عليه عُنوة الغرق في الفقر و المشاكل إنبثق فن الراي ، فكانت أغاني الراي إنعكاسا صادق للمجتمع الجزائري ، تصور معاناة الشعب و حالته الإجتماعية .
إعتمدت موسيقى الراي في بداياتها بشكل أساسي على الشعر الملحون ، و الإيقاع القوي و الألحان التقليدية ، و كان العزف في بداية هذا الفن على آلة الناي ، و كانت الشيخات ( فنانات الراي ) يعانين كثيرا من محاولات المجتمع الكثيرة للتضييق عليهن و إعتبارهن مخترقات لقواعد الأدب و الإحتشام ، و رغم الصعوبات التي واجهتها فنانات الراي إلا أن هذا الفن كان له نصيب كبير من المواهب النسائية و حظيت بعضهن بتقدير العالم أجمع ، و لعل أبرز من غنى الراي من النساء الشيخة ” ريميتي ” التي أُطلق عليها لقب “جدة الراي” .

مرت موسيقى الراي بمراحل كثيرة اختلفت فيها أطوار علاقتها مع المجتمع الجزائري و سلطاته السياسية و الدينية ، فلقد مر هذا الفن بالمنع و التحريم ثم الإضطهاد للفنانين و لقد وصل الأمر إلى القتل ، و قبل أن يصل فن الراي من قلب مدينة وهران إلى العالمية مر بمحاولات كثيرة تهدف لطمسه و محاربة كل فنان يتبنى هذا الفن ، إلى أن جاءت مرحلة هجرة الفنانين للدول الأروبية ، و إستطاع الجيل المُهاجِر من الفنانين إحياء فن الراي بقوة خارج الجزائر ، و إيصال أنغامه للعالم أجمع ، في هذه المرحلة تطورت الألحان و الأنغام الخاصة بفن الراي و امتزجت الآلات و الألحان الشعبية التقليدية بوهران بالموسيقى الغربية الحديثة كالجاز و الهيب هوب .

من أشهر مُغني ذلك الجيل هو الشاب خالد ، و الذي صار يُعرف لاحقا بملك الراي ، هاجر الشاب خالد -المولود بوهران في عام 1960- إلى فرنسا في 1989 ، و هناك حققت بعض من أغانيه نجاحا مُدويا و كان له دور كبير في تعريف أوروبا بموسيقى الراي ، ثم جاء بعده الشاب مامي و حقق هو الآخر شهرة واسعة لتعاونه مع المغنيّ البريطاني ستينغ (Sting) في الأغنية الشهيرة “Desert Rose” .

بتاريخ 13 مارس 2016 ، تقدمت الجزائر رسميا بطلب إلى منظمة اليونسكو لتصنيف موسيقى الراي الجزائرية موروثا ” غنائيا شعبيا جزائريا ” و أوضح وزير الثقافة عز الدين ميهوبي حينها أن من حق أي جزائري أن يغار على موروثه الثقافي ، و قال أيضا ” الجزائريون قلقون على تراثهم و من محاولات السطو عليه و من حق الجزائريين أن يكونوا غيورين على تراثهم و تاريخهم و ذاكرتهم من أي محاولة للمساس به و السطو عليه أو تحريفه ” .
ما بين الأمس و اليوم فقد الراي عدة فنانين أطربونا بفنهم ، في حين لا يزال بعضهم موجودا يحملون رايته ، لكن السؤال المطروح هل ستلد لنا الأيام مواهب تعيد روائع الراي القديم أو تحيي فينا ذلك الإحساس الذي لامسنا في الماضي و لم يعد موجودا بكثرة هذه الأيام ؟

اظهر المزيد

مريم

كاتبة صحفية محررة بموقع رصد برس ، مهتمة بمواضيع الثقافية و الإجتماعية و قضايا المرأة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock