أويحي طباعة النقود ، بداية الطريق الفنزويلي..

0

التمويل الغير تقليدي طباعة النقود.. بداية الطريق الفنزويلي.” رياض حاوى”

عندما لا نفهم ما معنى النقود وما هو دورها في الاقتصاد نقع في مشكلات كبيرة..
القاعدة الأولى: النقود ليست الثروة. المنتجات والخدمات هي الثروة..
القاعدة الثانية: النقود هي أداة قياس للمنتجات والخدمات مثل المتر للطول والكيلو للوزن..
القاعدة الثالثة: النقود أداة تبادل للمنتجات والخدمات بين افراد المجتمع..
القاعدة الرابعة: النقود أداة تخزين للجهد والعمل..
القاعدة الخامسة الهامة جدا: أي تلاعب بالنقود هو تلاعب بالاقتصاد كله. فالتلاعب بالكتلة النقدية بالزيادة يؤدي مباشرة الى التضخم.
سأحاول ان أشرح هذه القواعد الخمسة في مثال بسيط:
نفترض انه لدينا 100 منتج وخدمة.. ولدينا 100 دولار ككتلة نقدية ، فرياضيا كل منتج قيمته دولار.
لو لدينا 200 دولار وبقي عدد المنتجات 100 فقط لم يتغير، فكل منتج اصبح ثمنه 2 دولار..
لان النقود اداة قياس للسلع والخدمات..
لو ازداد عدد المنتجات والخدمات الى 200 وعندنا فقط 100 دولار فرياضيا يصبح ثمن كل خدمة ومنتج نصف دولار..
لو حدث زلزال ودمر 50% من المنتجات والخدمات ولدينا 100 دولار فيصبح ثمن كل منتج 2 دولار.. وهكذا.
طيب الآن لو وجد شخص ما (أويحي) مطبعة نقود. وبدأ يطبع في بيته النقود ويخرج الى السوق.سيكون هو أغنى شخص في البداية (تذكر في البداية).. لأنه هو من يملك النقود أكثر من غيره.كل مرة يدخل السوق (قاعة المزاد) يستطيع ان يرفع السعر لانه هو من يملك نقودا أكثر..رغم ان المنتجات المعروضة للبيع لم تتغير.
الغريب أن الدولة لو تمسك شخص عنده هذه المطبعة فانها مباشرة تقوم بسجنه وهذا مفهوم.
ولكن رئيس الحكومة ومدير البنك المركزي اذا قاما بنفس الشيء الوضع مختلف.
طيب ما هي الدوافع التي تدفع أويحي الى طباعة النقود؟
أولا يجب ان نفهم أن أويحي لا يملك المال وانما المجتمع هو الذي يملك المال.. والمجتمع هو الذي يجمع له “مصروفه” هو والبيروقراطيين الذين معه من أجل أن يغطي مصاريفه ويغطي المصاريف المشتركة للخدمات التي يقدمها.
فالمجتمع ينتج الثروة أولا ويقطتع جزء منها عبر الضرائب ويعطيها له حتى يتدبر أموره وأمور حكومته..
وبما انه لجأ الى طباعة النقود دون انتظار ما سنعطيه له يعني مباشرة هناك مشكلة كبيرة وكبيرة جدا..
كيف يشتغل القطاع العام..
ميزانية القطاع العام كأي ميزانية اخرى مداخيل ومصاريف.. اذا كانت المداخيل اعلى من المصاريف فالسنة ايجابية والعكس السنة سلبية..
المشكلة اذن تتعلق بالمداخيل..
في حالة الجزائر تتشكل من مصدرين: الجباية النفطية بنسبة 41% والباقي جباية عامة..
لتبسيط الامور (نستبعد هنا نسبة ضريبة النفط)
تقريبا كل موظف في القطاع العام يحتاج الى 4 أشخاص من المجتمع حتى يدعمون راتبه (حسب نسبة الضريبة) ولذلك كلما يتضخم القطاع العام ويقوم اويحي برفع رواتب البيروقراطيين التابعين له نحتاج الى عدد اكبر من افراد المجتمع لتغطية مصاريفهم..

بحسبة بسيطة
علي يعمل في القطاع العام براتب 10000 دج
من أين ياتي هذا المال حتى نغطي راتب علي؟
من الضرائب التي يدفعها المواطنون المنتجون للثروة..
كم نحتاج من شخص حتى نجمع راتب علي الذي يشتغل في القطاع العام..
على حسب نسبة الضريبة طبعا
نفترض ان الضريبة 20% لتبسيط الحسابات..
كم شخص نحتاج حتى ندعم راتب علي؟  على ان يكون صافي راتب هؤلاء الأشخاص هو نفس راتب علي؟
نحتاج الى 4 أشخاص كل واحد منهم راتبه اعلى بـ25% من علي أي 12500 وبعد اقتطاع الضريبة 20% يكون صافي راتبههم 10000 (مثل علي)
4 أشخاص منتجين لدعم شخص واحد بيروقراطي..
الآن يأتي أويحي ويقرر رفع راتب علي من الهواء هكذا (الراتب كنموذج فقط بالاضافة الى المصاريف الأخرى التي يريد ان يغطيها أويحي)..
هناك حلين أمام أويحي:
• يحتاج الى عدد اكبر من الافراد حتى يدعم علي (من أي يأتي بهؤلاء الاشخاص الاضافيين وهو غالق سوق الاستثمار)
• يرفع نسبة الاقتطاع على الاربعة الذين يدعمون علي.. (يفقرهم من اجل ان يربح علي)
سياسيا في الوقت الحالي كلا القرارين صعب.. وقد يؤديان الى توتر اجتماعي..
حاول اويحي مثلا فرض ضريبة على مستندات ادارية ولكنه تراجع لانه وجدها غير عملية ولن تدخل مبلغا كبيرا للخزينة..
هنا لجأ أويحي الى طباعة النقود حتى يغطي مصاريفه بأي طريقة..
خلاصة الدوافع وراء طباعة النقود كما يلي:
ضعف شديد في تحصيل الضرائب (المجتمع لم يعد قادر على الدفع)..
تراجع شديد في انتاجية المجتمع (بالتعبير الدارج السوق حابس)..
تضخم غير مبرر في مصاريف اويحي والبيروقراطيين والقطاع العام
تراجع الجباية النفطية بشكل كبير جدا.. النفط أصبح عاجز عن تغطية مصاريف اويحي والبيروقراطيين الذين معه.

الآثار المباشرة لطباعة النقود: التضخم.. وانهيار قيمة العملة

حصل هذا في كل عصور التاريخ.. منذ عهد الرومان الى فنزويلا.. سواءا كانت النقود ذهبا أو تماسيح صغيرة (عملة التبادل في ماليزيا قبل قرون) أو أوراق نقدية وآخر التجارب في الزمبابوي وفنزويلا.. أي تلاعب بالكتلة النقدية ورفعها بدون مبرر يؤدي تلقائيا الى ارتفاع الأسعار.
عندما استولى الاسكندر على كنوز الفرس وذهبهم ارتفعت الاسعار في اليونان.. عندما عاد الاسبان من امريكا الجنوبية محملين بالذهب من مناجم امريكا ارتفعت الاسعار في اوروبا كلها.. عندما طبعت حكومة النمسا النقود بعد الحرب العالمية الأولى ارتفعت الاسعار حتى اصبحت النقود لا قيمة لها وكذلك حدث لهتلر في المانيا حتى اضطر الى تقنين الاسعار ونفس الشيء لنيكسون في امريكا وفي اليابان مطلع السبعينات وبريطانيا.. في امريكا كانت هناك هيئة لمتابعة الأسعار..
وفي مطلع هذا القرن في ايران وزمبابوي وفنزويلا.. حتى طبعت زمبابوي ورقة نقدية بقيمة 100 ترليون دولار زمبابوي..
والسبب بسيط
النقود سواء كانت ذهبا او فضة أو اوراقا كلها لا قيمة لها.. ليس فيها قيمة مخزنة (قيمة سحرية بداخلها).. قيمتها هي ما يضفيه الناس عليها من مصداقية.. وذلك بشرط أن تحافظ على قوتها التبادلية للمنافع بين الناس.. اذا توفرت ظروفا ادت الى زوال المصداقية التبادلية والحسابية أصبحت النقود لا قيمة لها..
اذا كان عندك 50 كيلو ذهب وانت مرمي في صحراء تكاد ان تهلك من العطش فذلك الذهب تبادله بلتر ماء.. قيمة لتر من الماء أهم من الذهب في ذلك الظرف.
هل سيكون الحال في الجزائر مختلف عن فنزويلا والارجنتين والمانيا بعد الحرب وكل هذه الدول التي ذكرتها..
لا لن يكون مختلفا لان الرياضيات وقواعد الاقتصاد لا تعرف شخصا اسمه اويحي حتى تجامله..
والدليل على ذلك ما يتم تداوله في وسائل الاعلام.. فقد صرح بعض الرسميين بان حاجة الجزائر سنة 2018 هي 1850 مليار دينار (1.85 ترليون دينار) وسنة 2019 ستكون حاجة الخزينة العمومية الى 580 مليار دينار ليتفاجا الرأي العام بأنه تم الى حد الساعة سحب 4.005 ترليون دينار. أي ما يعادل 34 مليار دولار. (هكذا من الهواء) وحجم الناتج المحلي كله 170 مليار دولار.
التضخم حسب ملتون مؤسس المدرسة النقدية في الاقتصاد هو عبارة عن ضريبة غير مصرح بها.. لان تناقص قيمة النقود يؤدي الى تحويل الفارق الى حساب الحكومة.. وقد اعطيت في وقت سابق مثالا تقريبيا
اذا فرضنا ان ثمن غرفة في الفندق هو 10000 دج
وضريبة الخدمات التي نعطيها لأويحي هي 10%
فسنعطيه 1000 دج
حصل تضخم فاصبح ثمن الغرفة هو 12000 دج
الضريبة الجديدة التي سنعطيها لأويحي هي 1200 دج بدلا من 1000دج.. من أين جاءت 200 دج الاضافية.. جاءت من التضخم.. رغم انه لم يرفع عنا نسبة الضريبة.
أويحي اذن اخذ مقدما من بنك الجزائر مبالغاطائلة ولكن من الواضح أنه لا يستطيع سدادها. لانه بكل بساطة حتى بالمنظور الكنزي، طباعة النقود تحتاج الى اقتصاد ديناميكي متحرك منتج.. اذا كنت تقترض مالا ولا تملك أي نشاط فمن أين تاتي بالمال كي تدفع دينك.. ستضطر أن تقترض مرة أخرى ولكن هذه المرة من مصدر ثاني هذا المصدر هو البنوك الدولية.. وهنا تعمق الحفرة اكثر وأكثر.. لانه أصلا ليس لدى أويحي المال ولا الدينامكية الاقتصادية لتحقيق المداخيل حتى يغطي مصاريفه وديونه في نفس الوقت. (الاقتصاد متوقف)
سياسيا.. الحكومة في مأزق حقيقي.. الأشهر القليلة القادمة حتى الانتخابات الرئاسية اذا حصل أي تراجع في مصداقية العملة قد تشهد احداثا تراجدية غير متوقعة قد تجعلهم يفقدون السيطرة على مقود السلطة.. نموذج زمبابوي تكرر في فنزويلا.. بعض التقارير تؤكد ان فنزويلا بلغت نسبة التضخم فيها مليون بالمئة. الرياضيات والاقتصاد لا يعرفون اويحي ولا يعرفهم اويحي.

Leave A Reply

Your email address will not be published.