رأس” بوڨارون” معلم بحري في البحر الابيض المتوسط.

0

تخفي منطقة “القل” بولاية سكيكدة بين طبيعتها المتميزة وشواطئها غير المستكشفة واحدة من المعالم المرجعية العالمية عبر التاريخ، حيث يمثل «رأس بوقارون» أقصى نقطة تمتد فيها اليابسة الجزائرية نحو الشمال داخل البحر المتوسط، فيما تتوارى تحت مياهه العميقة آثار المئات من قصص الغرق والمعارك البحرية والقراصنة والحركة المتوترة التي ضج بها المتوسط دائما.

«رأس بوقارون» أو «أبو الرّياح»، الذي كان يوما ما الحد الفاصل بين الفينيقين قبل الميلاد و يأتي في الوسط بين جيجل “ايجلجلي” و القل “شولو” ، وجمعت في هذا الروبورتاج صورا وقصصا مما علق في أذهان سكان المنطقة ذات التضاريس الصعبة من قصص حول سر التسميات المختلفة وظروف الحياة في بيئة ذات خصوصية عالية، يعدمون فيها الكثير من الوسائل البسيطة.
المسار هو  الطريق الولائي رقم 132 للتوجه إلى «رأس بوقارون» عبر بلديتي الشرايع و قنواع ،مرورا بمدينة” القل” و عبر  مرتفعات تنتشر فيها أشجار مختلفة، لتدخل بعد ذلك الطريق الولائي رقم 7، بالقرب من المكان المسمى «وادي الجبل»، وتجد نفسك بعد قطع عدة كيلومترات داخل إقليم بلدية “قنواع” ، المعروفة بالمنابع الطبيعية للمياه وبأشجار  “القسطل” المحيطة بضفتي الطريق على طول المسافة التي تنتقل بين جبلين، ففي وجهة الذهاب يقابلك على الجهة اليمنى جبل تظهر فيه بقية الطريق، الذي شهد جزء كبير منه عملية تهيئة، بينما ما تزال نقاط أخرى منه في وضعية متدهورة.
وعند الاقتراب من التجمع الرئيسي للبلدية يأخذ الطريق في الانحدار، لكن اللافتات التي تشير إلى القرى الصغيرة المنتشرة ما بين أشجار البلوط والقسطل ، على غرار قرية «أفنسو» و»آكّارون» و»تابلوط» و»زيوان» و»آزردز”.
ولاحظنا نفس الأمر على باقي القرى في منطقة القل، لكن أسماء أخرى باللغة العربية أيضا. وقد حدثنا سكان قنواع عن شواطئ معزولة تابعة للبلدية ولا يمكن الوصول إليها بالسيارات، حيث أكدوا لنا أن المصطافين الشباب يقصدونها للتخييم ومنهم من يمكث فيها لشهرين، على غرار شاطئي «بوالنشم» و»زيوان»، فيما أكدوا أن المسير إليها يتطلب المشي عبر المسالك التي تشقها محافظة الغابات من أجل مواجهة الحرائق التي أتت على مساحات واسعة من عدة مناطق في السنوات الأخيرة.
منازل معلقة على المنحدرات الجبلية

ويضيف احد سكان المنطقة   أن سكان المناطق القريبة من «بوقارون» قد تأقلموا مع الطبيعة الصعبة والمنحدرة للمنطقة، رغم أنها لا تفتح أفقا واسعا للنشاط الفلاحي ، الذي يظل محصورا في بعض البساتين المحاطة بالغابة وبعض القطع الأرضية التي استغلت للزراعة، باستثناء إنتاج” القسطل” الذي اعتبره رئيس بلدية “قنواع” مزدهرا جدا في المنطقة، مشيرا إلى أن بلديته تعتبر الأولى في الإنتاج على مستوى الشرق، كما يوجد ايضا  في الغابة أشجار” جوز برية” أيضا، وبعض قطعان الماعز والأبقار.و بعض  الوحدات الصناعية و هي  قديمة تعود إلى الحقبة الاستعمارية وصارت اليوم أطلالا، من بينها مصنع صغير للفلّين.
ورغم بساطة السكنات الموجودة بالمنطقة، إلا أن هندستها مثيرة للدهشة، فسكان المنطقة قاموا بتشييدها في أماكن شديدة الانحدار متحايلين بذلك على «مكر الطبيعة»، حيث عبر  أحد السكان  إنه كان لا يخشى من انزلاق الأرضية تحت منزله، فأكد لنا أن الأرضية الجبلية صخرية ويمكنها تحمّل ثقل البناء. ويمتد هذا النمط من «العمران» الجبلي المحتشم إلى غاية منطقة «بوقارون»، خصوصا بالقرب من ضفتي الطريق، في حين يقول آخر أن من عادة أصحاب هذه المنازل وضع سِلال على ضفة الطريق وكل سلة تحمل اسم صاحبها، حيث يأتي بائع الخبز في الصباح ويضع لكل منهم حصته في السلة، بسبب عدم قدرة شاحنته على السير في المسالك المنحدرة.
أما البناءات التي ما زالت في طور الإنجاز، فإن أصحابها يضعون على إحدى جوانبها أنبوبا طويلا ومصنوعا من البلاستيك والمعدن من أجل التمكن من صب الخرسانة لإنشاء الأسطح وباقي الأجزاء التي تتطلب هذه المادة.
وتستوقف العدد القليل من ركّاب السيارات التي تعبر الطريق الولائي رقم 7 عبر المناطق المذكورة إلى «راس بوقارون» و»تمنارت» المنابع الطبيعية المنتشرة بكثرة في بلديتي «الشرايع» و»قنواع»، حيث غالبا ما تجوب شاحنات بيع مياه المنابع الطبيعية مدن عدة ولايات شرقية وهي تحمل خزّانات كتب عليها «مياه جبل قنواع».

أسطورة القراصنة  وتضليل السفن:

سكان “بوڨارون ”  يتحدثون بحفاوة عن تاريخ المنطقة، حيث  المدرسة الابتدائية  المسماة حاليا «العايب محمد»، التي كانت المنارة القديمة التي أنشأها المستعمرون” سنة 1868″ مثلما يؤكده اللوح الرخامي المعلق أعلى بوابتها، بالإضافة إلى شكلها الذي يشبه مكعبا يتقدم واجهته برج أسطواني كبير، تحول اليوم إلى خزان مائي للمدرسة، بينما كان يستخدم كمحطة لبث النور إلى السفن في الماضي بحسب ما يؤكده لنا محدثونا.
ويذكر  شيخ كبيرعن سر تسمية الرأس بـ»بوقارون»، أن سكان المنطقة الحاليين لا يعلمون خلفية التسمية على وجه التحديد، لكن آباءهم رووا لهم أن القراصنة كانوا مستقرين بالمكان وينصبون الكمائن للسفن التي تعبر بالقرب من سواحل القل، حيث يصعدون إلى نقطة متقدمة من أعلى الجبل المطل على المنارة اليوم، ويشعلون نارا كبيرة خلال الليل، ما يوهم السفن أن اليابسة ما زالت بعيدة ويعتقدون أنها عبارة عن منارة، فيتقدمون إلى حتفهم لأن السفن تصطدم بالصخور المتوغلة في البحر وتتحطم، ليغير عليها القراصنة في الصباح ويقومون بسلب ركابها ما يحوزونه من ممتلكات وبضائع.
أما حطام السفن القديمة حسب الروايان فتكون غير مرئية من أعلى منارة” بوقارون” أو القرية القريبة منها، ويجب  الغطس إلى أعماق كبيرة لكي  يرى بعينيه بقايا معادن السفن وبعض تجهيزاتها، لكن  المكان عميق جدا بسبب الانحدار الشديد لـ»رأس بوقارون» وقد يبلغ مائتي متر، ومن الصعب جدا الغوص إلى غاية القاع،و حسب السكان فإن بعض الزوار من الهواة يستكشفون هذه المنطقة سعيا خلف ما قد يعثرون عليه، علما انه يدور حديث عن وجود حطام سفينتين تعودان إلى الحرب العالمية الثانية بمنطقة «خناق مايون» غير البعيدة عن «رأس بوقارون»، لكن الوصول إليها باستعمال السيارة مستحيل، ويتطلب إما قاربا عن طريق البحر أو المشي على الأقدام في مسالك غابية وعرة.
ورجح السكان أن تسمية «بوقارون» قد تكون تحريفا لكلمة «بوقرعون»، وهي التسمية المحلية لشقائق النّعمان، أو ربما يكون اسم أول شخص قطن في المنطقة، حيث أضافوا أن أساطير الأجداد تقول إنهم ينحدرون من منطقة أخرى واستوطن أسلافهم «بوقارون» بعدما غزوا من سبقوهم إليها، في حين تجد  و تلاحظ الاختلاف الظاهر في لون البشرة والعينين بين سكان منطقة بوقرون ،فمثلا قابلنا مجموعة من الشباب  اثنان  منهم سمر وأصحاب عيون سوداء وبنية، بينما الثالث أبيض صاحب عينين زرقاوين، فيما جمع رابع المجموعة بين سمرة قاتمة وعينين بلون أزرق فاتح. وقد أكد لنا ساكن آخر بالمنطقة أن «بوقارون» استقطبت عبر التاريخ أجناسا مختلفة جعلت من قاطنيها مزيجا من ثقافات مختلفة انصهرت كلها اليوم في بوتقة واحدة.
سلسلة بشرية لمنع الرياح من حمل الأطفال بعيدا:

ومن الصعب على من يزور «رأس بوقارون» خلال فصل الصيف أن يتخيل أن قوة الرياح في هذا المكان قد تصل إلى حد حمل طفل صغير من الأرض، لكن السكان المقيمين بالقرب من المنارة أكدوا  أن سرعة الريح قد تبلغ 150 كيلومتر في الساعة خلال الشتاء، بالإضافة إلى الأمطار الشديدة والسيول التي تؤدي أحيانا إلى غلق الطريق، كما رسموا  مشهدا مرعبا عن ارتفاع مياه البحر والأمواج الضخمة التي ترتطم بالجدار الصخري لجبل «بوقارون» محدثة دويا يصم الآذان. وقد أكدوا أن الرياح العاتية هي سبب اشتهار المنطقة بتحطم السفن فيها، لارتطامها بالصخور.
وأضاف السكان أن أبناءهم لا يتجهون في الاضطرابات الجوية الشديدة إلى المدرسة فرادى، وإنما يقوم مرافقوهم بتشكيل سلسلة بشرية يتمسك كل من فيها بالآخر وعلى الطرفين شخصان بالغان ليشدا الأطفال جيدا ويحرصا على سلامتهم، وما إن يدخلون المدرسة لا يسمح لهم بالخروج منها أبدا إلا بنفس الطريقة بعد حضور مرافقيهم البالغين، خوفا عليهم من أن ترفعهم الريح وتلقي بهم إلى الهاوية الصخرية المطلة على البحر، خصوصا بعدما قلصت أشغال إعادة تزفيت الطريق من ارتفاع السور المطل على الواجهة البحرية، حتى صار لا يتعدى حوالي أربعين سنتيمترا، بحسب ما أكده لنا محدثونا ولاحظناه.
ونبه السكان إلى أن التسمية القديمة لـ»رأس بوقارون» هي «بورياح»، أو «أبو الرياح»، بسبب ما يعرف على المكان من قوة الرياح التي تصطدم على سطحه، كما أن بعض القدماء كانوا يسمون المكان بـ»السبع روس» أو «الرؤوس السبعة»، في إشارة إلى الخلجان الممتدة في البحر نحو الغرب والشرق، حيث اعتبر اصحاب الخبرة من السكان في البحر   عبر عقود من الزمن أن جميع المناطق الواقعة في محيط هذا الرأس البحري امتداد له.
«إصبعان» لمرور السفن بين  رأس بوقارون  والأفق
وشدد السكان انه لا يمكن  رسم تصور في الاذهان عن «رأس بوقارون» إلا من خلال مشاهدته من قارب من البحر، حيث روى  أحدهم أنه عمل صيادا طيلة حياته، ولم يسبق أن رأى أمرا مماثلا في أي مكان، مثلما قال، فعند التوجه نحو منطقة «مرسى الزيتون» التي تبعد بضعة كيلومترات نحو الغرب، لا يبقى من المسافة بين «بوقارون» والأفق إلا مقدار إصبعين بحسب ما يشاهده من ينظر إلى الرأس، لدرجة تجعله يتساءل عن كيفية مرور البواخر الضخمة منه، بحسب ما يروي المتحدث ، الذي اعتبر الأمر من عجائب الطبيعة وخدعها البصرية الغريبة.
وقد أشاروا  إلى جهة الشمال الغربي وأخبروا  أن مرسيليا تبعد مسافة 900 كيلومتر عن «رأس بوقارون»، بينما تقع إيطاليا نحو الشمال الشرقي، كما يمكن  مشاهدة طيف جبل” إيدوغ” بعنابة نحو جهة الشرق، رغم الضباب الكثيف الذي كان يخفيه، في حين أكد  السكان أنه يمكن خلال الليل مشاهدة ضوء منارته.
وجعلت خصوصية موقع «رأس بوقارون» منه قبلة للمهاجرين غير الشرعيين، حيث تحدث المواطنون عن بعض حالات الهجرة التي تسجل في السنوات الأخيرة من محيط الرأس، في حين يقذف البحر من حين لآخر بالكثير من الأشياء التي تعلق بالصخور البحرية الممتدة من «بوقارون»، ومنها المخدرات التي يتخلص منها المهربون في عرض البحر أحيانا بعدما يفرون أو ينكشف أمرهم.

وما زالت منارة «رأس بوقارون» تقف شامخة في وجه البحر على الموقع الأكثر توغلا نحو الشمال في السواحل الجزائرية، حيث انتهى المستعمرون من تشييدها مطلع القرن العشرين بعد أن تعطلت أشغالها لحوالي أربعين سنة، وقد كانت مدرسة القرية مستغلة كمنارة إلى غاية ذلك التاريخ، في حين تجد انر «رأس بوقارون» قد ورد ذكره في العديد من المصادر عبر مئات السنين بتسميات مختلفة، فالمؤرخ الفرنسي “روبيرت مونتران” ، يرى أن الأميرال العثماني الرايس “محي الدين بيري” قد ذكره باسم «رأس القردة» في مؤلفه الضخم المسمى «كتاب البحرية» الذي ألفه سنة 1521، في حين يرد في مصادر أخرى تحت اسم «السبع روس». أما الإغريق فقد أطلقوا عليه تسمية «رأس تريتون» (تعني الرأس المحفور) بحسب المؤرخ الإغريقي” سترابو” ، الذي يذكره ” ستيفان غزال” في الجزء الأول من كتابه «التاريخ القديم لشمال إفريقيا»، ويؤكد أنه كان يمثل الحد الجغرافي بين قبائل الفينيقيين و  “الماسيل” و “الماسيسيل” .و يوجد  مجموعة من نسخ المواضيع الصحفية القديمة التي تتحدث عن غرق سفن بمحيط «رأس بوقارون»، على غرار عدد الأول من ديسمبر من أسبوعية «صليب الجزائر وتونس» الذي نُقل فيه خبر عثور قبطان باخرة تسمى «نوتردام دي لورد» خلال رحلة بين الجزائر العاصمة و سكيكدة ، على مجموعة من الصناديق وعوامة على بعد ستة أميال بحرية مقابل رأس” بوقارون” ، وتبدو أنها مترتبة من غرق سفينة ما، دون أن يتمكن من استرجاع الأكياس بسبب الظروف الجوية السيئة ما حال دون تعريف السفينة، كما ذكرت جريدة «لو بتي جورنال» في عددها الصادر يوم الأربعاء 29 أفريل 1914 أن باخرة يونانية تسمى «بينيلوبي» كانت قادمة من البحر الأسود وغرقت خلال الليل مقابل نفس الرأس.
وقد وقعت على مستوى «رأس بوقارون» واحدة من أكبر المعارك في الحرب العالمية الثانية، عندما هاجمت القوات الجوية النازية أسطولا بحريا للحلفاء مكونا من 26 سفينة نقل ترافقها 15 سفينة حربية، حيث أدت المعركة إلى سقوط ست طائرات ألمانية وغرق ست سفن للحلفاء، و يرجح أن الحطام الذي يتحدث عنه السكان بالقرب من «خناق مايون» يعود إلى هذه الحادثة.