” الماسونية ” من العصر القديم إلى عصر المتنورين

0

هناك جدل كبير حول تاريخ بداية ظهور الماسونية ، هناك فريق يعتقد بأنها أنشئت في عهد الفراعنة عندما كانت تبنى المعابد و الأهرامات لكن الباحثين يفندون ذلك لأن ديانة الفراعنة كانت وثنية أما شعبهم كانوا منقسمين في العبادة بين الوثنية و اليهودية السليمة التي جاء بها الأنبياء لبني إسرائيل ، و يرى آخرون أنها أنشئت في زمن بناء الهيكل (هيكل سليمان) ، فيما يرى البعض الآخر أنها ظهرت أثناء الحروب الصليبية و بعضهم يرى أنها نشأت قبل الحروب الصليبية و كانت سببا في زرع الفتن ، أما الدكتور محمد علي الزغبي في كتابه ” القسم الأول ” المطبوع في بيروت سنة 1956 كتب ” أن المؤسس الأول للماسونية التي جعلت مرادفها (القوى الخفية) بدأت سنة 43-55م عندما اجتمع الملك “أحيرام أبنود” و “مؤاب لافي” و تآمروا فيما بينهم على المسيح الذي أخذ يبشر بزوال الهيكل ( بحيث لا يبقى فيه حجر على حجر إلا ينقض ) و أنشأوا جمعية سرية باسم “القوة الخفية” مهمتها : التخلص من المسيح و أتباعه .

و تعرف دائرة المعارف البريطانية الماسونية بأنها ” أكبر جمعية سرية في العالم ” ، و قد نشأت من النقابات التي ألفها البناؤون عندما تولوا بناء القلاع و الكاتدرئيات ، ثم بدأت بعض محافل البنائين العاملين في قبول أعضاء فخريين لتقوية الإقبال عليها إثر التدهور في عدد أعضائها بسبب توقف عمليات البناء ، و من هذه المحافل نشأت الماسونية الحديثة أو الرمزية ، و للإشارة ظهرت الماسونية بشكل علني لأول مرة بقارة أروبا ، و لقد حاربها العديد من رجال الدين المسيحيين و أشهرهم القس ” مكسيميليان ماريّا كولبي ( 1894 و1941 ) بذل العديد من الجهود في حياته للحدّ من تأثير الفكر الماسوني في العالم و سعى بجديّة كبيرة لهداية الماسونيّين في بلده الأمّ بولندا ، و سماهم بأبناء الظلمة ، هكذا صرح في إحدى محاضراته الدينية : ” لماذا أبناء الظلمة أدهى من أبناء النور؟ ” و من هذا السؤال بدأ رحلته لمحاربة الأفكار الماسونية ، و كان هدفه الأول منع الكفّة من الميول لأبناء الظلمة في المجتمع و العالم و بدل ذلك كان يسعى لجعل الكفة في يد أبناء النور ، فالشر موجود و لن يختفي و سيبقى بيننا حتى نهاية الكون كما أننا لسنا الله لنعرف حقيقة نوايا و صنف جميع المحيطين بنا لدى الحل لن يتواجد ” بالمحاربة ” و إنما الحل يتواجد بإنارة الظلمات بنور الأخيار من البشر هذا ما كان يؤمن به هذا القس ، و وضع هاتين القاعدتين كمبدأ له و هما ملخص طريقة محاربته للماسونية و هاتان القاعدتان هما :

– إعتبر أنّنا كبشر لا نستطيع أن نكره أحدا فهذا ليس من حقنا و سيزيد من قوة الشر و الظلمات ، لكن علينا السعي إلى هداية غيرنا .

– رأى أنّه بقوانا الخاصّة و وحدنا ، لسنا قادرين على فعل أي شيءٍ على الإطلاق ، فكلّ ما نحن عليه و أيّ شيءٍ نملكه أو نستطيع القيام به قد حصلنا عليه من الله ، فالله فقط من يستطيع التغيير .

في حقيقة الأمر المتابع لنظريات تيار الماسونية سيجد أنها تكونت إنطلاقا من مجموعة معتقدات قديمة ، هذه المعتقدات كانت أغلبها تخص الفئة الكافرة أو الفئة التي تريد فعل ما يحلوا لها في المجتمع دون تأنيب حتى لو كان تعديا على الغير ! و يرى البعض أنها كانت موجودة في عصر طغاة الفراعنة و البابليين و الإغريق و غيرهم من الحضارات ، لتبدأ نشأتها بالكابالا ثم الغنوصية ثم فرسان الهيكل أو المعبد ثم حركة الصليب الوردي و مؤخرا هي مختفية وراء مصطلح ” المتنورين ” .

الكابالا أو القبالة كلمة يهودية تعني الإستقبال ، و الكابالا في الأصل عبارة عن تعاليم باطنية تناقلها اليهود خاصة عن البابليين و الفراعنة جيلا عن جيل تتضمن أساطير قديمة بخصوص الألوهية و الخلق و الكون ، و الكابالا تعتمد على السحر و التنجيم و التشفير و هي من أصول الماسونية ، كما تنص فلسفة الكابالا أن الإنسان بإمكانه أن يصبح جزءا من الإله و بوصوله إلى هذه الدرجة من الكمال يصبح و كأنه شخص معصوم بإمكانه إطلاق العنان لشهواته و فعل أي شيئ شرير دون أن تتلوث روحه ، و يقول الماسوني التركي مراد أوزغان آيفر في كتابه ما الماسونية ؟ لا أحدَ يدري كيف و متى ولدت الكابالا و لكن المعلوم هو أنَّها مرتبطة بالدين اليهودي ، و تحمل صيغةً ميتافيزيقية و تعاليم باطنية ، و كانت موجودةً قبل ظهور التوراة ، و لو نقوم بمقارنة بين ما يصرح به ” من يسمون أنفسهم بالمتنورين ” و فلسفة ” الكابالا ” سنجدهم يصرحون بنفس الفلسفة لكن بطريقة غير مباشرة ، فمثلا ” المتنورين ” يشككون في وجود الأديان من أجل إلغاء وجود الله ، بينما يعطون للبشر أحقية فعل أي شيء و إطلاق العنان لشهواتهم و يدخلونها ضمن الحقوق البشرية !
مصطلح ” المتنورين ” نجده متداولا بكثرة هذه الأيام بالأوطان العربية ، مما يجعل البعض يتساءل هل الماسونية تزرع نظامها بين المسلمين مثلما فعلت مع المسيحيين سابقا ؟!

عموما فلسفة الماسونية تظهر أنها ضد جميع الأديان بصفة عامة ، بل هي ضد ألوهية الله و أي نظرية تذكر وجود الله و فيما يلي بعض الأدلة على ذلك :

1- في مؤتمر الطلاب الذي إنعقد في سنة 1865م في مدينة (لييج) التي تعتبر إحدى المراكز الماسونية في العالم ، أعلن أحد الماسونيين للطلاب الوافدين من ألمانيا و أسبانيا و روسيا و إنجلترا و فرنسا قائلاً : يجب أن يتغلب الإنسان على الإله و أن يعلن الحرب عليه و أن يخرق السماوات و يمزقها كالأوراق .

2- و جاء في مضابط مؤتمر بلجراد الماسوني سنة 1911م “يجب ألا ننسى بأننا نحن الماسونيين ، أعداء للأديان و علينا أن نبذل جهداً للقضاء على مظاهرها .

3- أما زعيم الماسونية الفرنسية يقول في النشرة الرسمية ” إنا نحن الماسون لا يمكننا أن نكف عن الحرب بيننا و بين الأديان ، لأنه لا مناص من ظفرها أو ظفرنا ، و لابد من موتها أو موتنا ، فالماسون لا يمكن أن يذوقوا طعم الراحة إلا بعد أن يغلقوا جميع المعابد ، و يحولوها هياكل لحرية الفكرة و إله العقل ” .

4- و في عام 1866م جاء في جريدة الماسون “يجب على الماسون أن يقيموا أنفسهم فوق كل إعتقاد بالله أياً كان ” .

يلجأ بعض الماسونيين للنظريات العلمية و يستغلونها لصالحهم حتى يظهر لغيرهم أنهم أصحاب أهداف نبيلة تهدف للتطور ، كل ما يهمهم من العلم هو إلغاء وجود الله ، و سرعان ما ستكتشف حقيقة نواياهم عندما يبدؤون سرد نظرياتهم التي تعطيك الحق في ممارسة الجنس مثل الحيوان أو فعل ما تريده و ما تشتهيه حتى لو كان تعديا على حقوق غيرك ، لذا ستجد الكثير من المتنورين مختبئين وراء شخصيات إسمها ” ملحد ” أو ” عالم ” ، ليس كل الملحدين أو العلماء ماسونيين ، لكن قد تجدهم مختبئين وراء هذه المصطلحات و الشخصيات .

* محاربة الماسونية :
بالنسبة للمسيحيين ، لقد حارب بابوات الفاتيكان الماسونية منذ عام 1738م (على عهد البابا كليمنت الثاني عشر) الذي أصدر أول مرسوم يتعلق بالماسونية ، و أمر فيه بوضع حد لها و نفيها ، و ظل موقف الفاتيكان ثابتاً إزاء الماسونية حتى عام 1965م عندما أصدر البابا بولس السادس أمراً يعطي للكهنة الحق بإلغاء كل قرار كنسي سابق تضمن الفرمان المسيحي بتجريم الماسوني ، و قام بنفسه باستقبال مجموعة من أعضاء من الماسونية عام 1965م ليباركهم ! ناقضاً بذلك التعاليم البابوية التي تنص على أن : “المسيحي الذي ينضم لنادي الروتاري ( الماسوني ) يتعرض إيمانه للشبهة ” ، و لا أحد حتى الآن يستطيع فهم ما حدث ، البعض يفسر ذلك بتغلب الماسونية على العالم و البعض يفسر ذلك بأنه إستراتيجية مسيحية جديدة لوضع حل للأزمات و الصراعات .
– أما بالنسبة للمسلمين و الدول العربية ، فقد تحدد بشكل قطعي في المؤتمر الإسلامي العالمي الذي عقد في مكة المكرمة تحت رعاية – المغفور له الملك فيصل رحمه الله- في المدة من 14-18 ربيع الأول سنة 1394هـ (مارس 1974) حيث نص القرار الحادي عشر من المقررات التي أوصى بها المؤتمر في ختام إنعقاده على ما يلي :

” الماسونية جمعية سرية هدامة ، تنتشر تحت شعارات خداعة كالحرية و الإخاء و المساواة و ما إلى ذلك ، مما أوقع في شباكها كثيراً من المسلمين ، و قادة البلاد ، و أهل الفكر ، و على الهيئات الإسلامية أن يكون موقفها من هذه الجمعية السرية على النحو التالي :

1- على كل مسلم أن يخرج منها فورا ً.

2- تحريم إنتخاب أي مسلم ينتسب إليها لأي عمل إسلامي .

3- على الدول الإسلامية أن تمنع نشاطها داخل بلادها ، و أن تغلق محافلها و أوكارها .

4- عدم توظيف أي شخص ينتسب لها و مقاطعته مقاطعة كلية .

5- فضحها بكتيبات ونشرات تباع بسعر التكلفة .

مسؤولية البشر صعبة جدا خاصة عند وجود قوى شر قوية تهدد حياتهم و سلامتهم ، و الصراع مع الشر سيظل قائما إلى أن يرث الله الأرض و من عليها هذا ما وعد به ” إبليس عليه اللعنة ” ، لذلك من الخطأ أن نعتقد أن محاربتنا للشر ستلغي وجوده و من الخطأ أن نعلن حروبا ضد الشر بالطرق الدموية فلا نحن نعلم من سيربح و لا وجود الشر سيختفي ، و قد نتسبب في دفع ضريبة غالية الثمن حتى و لو كنا على حق ، من الأفضل أن نفكر بعقولنا و بطرق ذكية للحد من توسع الشر و إنقاص وجوده بدل التفكير في محاربته .

Leave A Reply

Your email address will not be published.