الشائع

الفرق بين الفاتيكان و الأزهر .

ليس فقط الأزهر من يحظر الكتب

هناك فكرة منتشرة في الغرب تربط منع تداول الكتاب بالإسلام. وقد رسخت هذه الفكرة بعد الفتاوى، التي يصدرها من حين لآخر مشايخ الأزهر لمنع نشر وقراءة بعض الكتب والدعوة إلى حرقها، وحتى إهدار دم مؤلفها، بحجة أنها تسيء إلى المقدسات والرموز الدينية. ومن الواضح أن هذه المحاولات تقدّم صورة مشوّهة عن الإسلام، بربطه بالإرهاب الفكري، وإبرازه كدين مناهض للعقل وحرية الخلق والإبداع. ومن البديهي أن التبريرات التي يقدمها مشايخ الأزهر لمنع الكتب مرتبطة، في غالب الأحيان وبشكل مثير للدهشة، بحسابات سياسية سافرة وآنية. ودليلي على ذلك أن الذين يصدرون هذه الفتاوى لا يكلفون أنفسهم عناء قراءة هذه الكتب التي يمنعونها. وقد اندهشت مؤخرا من أساتذة جاءوا لعيادتي أثناء مرضي، وجرّنا الحديث إلى الفتوى، التي أصدرها شيخ مغمور، عن تحريم قراءة رواية كمال داود “مارسو تحقيق مضاد”. وراح هؤلاء الأساتذة، منساقين، يشتمون كمال داود، ويؤيدون الشيخ في فتواه المُجرمة. قلت للأساتذة:” ها هي الرواية هل قرأها أحد منكم”. اتضح أن لا أحد شاهد حتى غلافها!

والحال، إن الذين يحاولون إلصاق تهمة مصادرة الكتب مخطئون. فليس الأزهر وحده يمنع الكتب.
وخير دليل على ذلك الدعوة التي وجهها الفاتيكان للمسيحيين الحقيقيين، والمتمثلة في الامتناع عن شراء وقراءة كتاب “دافنشي كود” لصاحبه الكاتب الأمريكي دان براون، والذي بيعت منه خلال سنة واحدة فقط 20 مليون نسخة.

وقد برّر الكاردينال تارسيزيو بيرتوني ذلك باعتبار هذه الرواية تخرق الوقائع التاريخية وتسيء إليها، وتمارس القذف في حق شخصية تاريخية تستمد سمعتها من تاريخ الكنيسة والإنسانية. واعتبر الأب بيرتون، مسؤول ما يسمى بصفاء المذهب الكاثوليكي، انتشار الرواية بين الشباب أمرا مؤلما ومحزنا.
الكنيسة، أيضا، حريصة على صفاء العقيدة، وتحارب قول السوء بواسطة الكتاب. وهي تمنع تداول الكتاب، كما يفعل مشايخ الأزهر. لكن المسيحية سبقت الأزهر إلى ذلك بعقود طويلة، ولها في هذا المجال سجل حافل بالفضائح والحماقات، ابتداء بمحاكم التفتيش ومطاردة الساحرات ومحاربة الهرطقة، وانتهاء بكتاب دافينشي كود، الذي هو في جوهره رواية خيالية تتحدث عن صراع أستاذ في علم الدلالات مع لوبيس ذي (مخابرات الفاتيكان) على خلفية جماعات ونحل ورموز خفية.

وقد أبدعت الكنيسة الكاثوليكية حين أسست في عهد بولس السادس سنة 1557 ما اصطلح على تسميته بسجل الكتب المحظورة Index librorum prohibitorum وهذا السجل هو مصنف طويل عريض يضم أسماء كتّاب ومؤلفات، كان الأساقفة يعتبرونها خطيرة على عقيدة المؤمنين، ومضرة بأخلاق المجتمع، ومخلّة بالآداب العامة. ويمنع هذا السجل كل مسيحي من اقتناء أو تداول أو قراءة هذه المؤلفات، إلا برخصة خاصة يصدرها الأسقف، وتُبرر لأسباب مهنية فقط. أي أن تداول هذه الكتب كان مقصورا على فئة قليلة من الناس من الثقاة، الذين لا يرقى إلى إيمانهم شك. وكان أساقفة الفاتيكان يحرصون أشدّ الحرص على تنقيح هذا المصنف وإعادة نشره. وهكذا أعيد نشره سنة 1564، وصدرت منه أكثر من ثلاثين طبعة. ووصل الأمر إلى أبعد من ذلك، حين أمر الفاتيكان بإنشاء جمعية كنسية تشرف على وضع هذا المصنف، وتقوم بمراجعته كلّما استدعى الأمر. وظلت هذه الجمعية تعمل حتى النصف الأول من القرن العشرين.
وقد صدرت الطبعة الأخيرة من السجل سنة 1948، وتمّ بعد ذلك إلغاؤه نهائيا عام 1966. وبإلغائه رفع مبدأ حرم قراء الكتب المصنفة من الانتماء إلى الجماعة المسيحية. ويعتبر المسيحيون اليوم هذا المصنف وصمة عار في جبين الفاتيكان، ويعدونه استمرارا طبيعيا ومنطقيا لمحاكم التفتيش وحملات محاربة الهرطقة، التي كان هدفها الوقوف في وجه أفكار الإصلاح وعصر الأنوار والموسوعيين والكتب التي اعتبرت مخلّة بالآداب.
ولنلق نظرة على أسماء بعض الكتّاب والمؤلفات التي ضمها هذا المصنف. في القرن السابع عشر منع 93 مؤلفا منها كتاب الأفكار لباسكال. في القرن الثمن عشر منع 52 مؤلفا منهم المفكر الانجليزي لوك، ولامتري وكوندورسي وكونذياك وديدرو، أي الكتّاب الذين عرفوا بالموسوعيين. في القرن التاسع عشر صنف المعجم الموسوعي “لاروس” ضمن المؤلفات المحظورة. أما في القرن العشرين فقد منع 16 اسما منهم الفيلسوف الوجودي جون بول سارتر ورفيقة دربه سيمون دي بوفوار، بسبب كتابها “الجنس الثاني”، وخضع كازنتساكيس، الفيلسوف والكاتب اليوناني الشهير وصاحب رائعة “زوربا”، بسبب روايته “الإغواء الأخير”، ولقيت مؤلفات الكاتب الفرنسي أندري جيد المصير نفسه. ولم ينج حتى القسّ ستايمن من مصادرة ومنع كتابه “حياة المسيح”.
الفرق بين الفاتيكان والأزهر هو أن الفاتيكان كان يمنع الكتب بعد قراءتها، أما الأزهر فيمنعها من عناوينها.
عبد العزيز بوباكير

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock