الأستاذ أحمد زياد ..من تاريخ محاربة فرنسا للغة العربية

0

أشرنا في هذا الباب منذ ثلاثة أيام، وتعمدنا أن تكون إشارتنا خفيفة الظل للحادث الذي جرى أثناء مداولات المجلس البلدي بالرباط في جلسته الأخيرة، وتعرضنا إلى التعليل – ملوحين لا غير- الذي تعللت به المصالح البلدية على لسان أحد المسئولين بها؛ في عدم كتابة اللافتات بالعربية.
وخرجنا بنتيجة تتلخص في أننا نُجَهَّلُ -بتشديد الهاء من فضلك- ثم نُعَازُ بهذا التحليل في الكليات والجزئيات.
وفضّلنا في هذا التعليق أن نحوم حول موضوع اللافتات؛ لأنها ليست سوى جزئية بسيطة تدخل في نطاق القضايا العامة التي تساس في هذه البلاد على شكل معوج غير مستقيم.
ولكن صحيفة “لا فيجي ماروكين” علقت فيما بعد على حادثة المجلس البلدي تعليقا أرغمنا على العودة إلى هذا الموضوع، وأرغمنا أن نتناوله في صراحة وبالذات.
فلقد عللت “لا فيجي” عدم كتابة اللافتات باللغة العربية بتعليلات أخرى لا تنحصر في أننا جهلاء كما يُفهم من جواب المتكلم بلسان إدارة البلدية، بل لأن اللافتات لم تكتب لسكان مدينة الرباط، وإنما وضعت لإرشاد السياح، ثم تُشعِّب “لا فيجي” فلسفتها وتُوسع طريقتها في الاستنتاج فتقول ما معناه: «وهب أنه تقررت كتابتها بالعربية، فأي عربية يمكن أن تكتب بها؟ أَالدارجة أم الفصحى؟ وإذا كتبت بالدارجة فأية دارجة ينبغي أن تكتب بها؟».
وتخرج “لا فيجي” من هذه الفلسفة بأن الأمر لا يتعلق بإهانة ولا باستهتار بأمر المغاربة.
وجريدة مثل “لا فيجي” عوّدتنا على مثل هذه الفلسفة في حديثها عن الشؤون المغربية، فلنسر معها في هذا الجدل إلى أقصى حد.
إذا كانت اللافتات قد كُتبت من أجل السياح لا غير، فلماذا لا يفهم السياح أنهم في بلد عربي، دولته مسلمة، وهذه لغتها مكتوبة على اللافتات، ويجب أن يفهم السياح هذا؟
أتريد “لا فيجي” أن يعود الناس إلى كتابة اللافتات في باريس أو في غيرها من بلاد فرنسا بلغة إنجليزية أو ألمانية ما دام الأمر يتعلق بالسياح؟
إن “لا فيجي” وغير “لا فيجي” لا تقبل أن تكون اللغة الفرنسية مهملة لأن السياح لا يفهمونها. نحن لا ننكر أن اللغة الفرنسية لغة حية، ولا ننكر أنها لغة معارف وآداب، ولكن ذلك لا ينسينا لغتنا أبدًا، ولا يبرر أن نسكت على إهمالها الذي قد يكون متعمَّدًا في بعض الأحيان.
ولَئِن كان القائمون بأمر هذه اللافتات تتوفر لديهم نية حسنة كما يقولون، فلماذا لا يكتبون الاسم العربي في نفس اللافتة التي كتِب عليها الاسم الفرنسي، بحيث لا تكون هناك مصاريف زائدة، ويُراعَى شعورنا من جهة، وأحقية اللغة العربية من جهة أخرى؟
أما التأرجح بين اللغة العربية واللغة الدارجة فهو اختراع قديم أحدثه فقهاء “السياسة الأهلية” (la politique de l’indigènité) الأولون، منذ عهد الماريشال (ليوطي) ، ثم توسعت دائرته على يد المستعمرين وبعض المراقبين المدنيين، وهو بني على سوء نية تماما ما في ذلك شك.
ثم إن الذين اخترعوه يجهلون الجهل المركب اللغة العربية الفصيحة واللغة الدارجة معًا. فلغة التخاطب عند كثير من الأمم هي غير لغة الكتابة، واختلاف اللهجات في الدارجة طابع محلي صرف، يوجد في المغرب كما يوجد في أقطار أخرى.
ولم تكن اللغة الدارجة في يوم من الأيام لغة بأصولها حتى جاءت وفود المستعمرين والمراقبين المدنيين، وقَرَّ رأيهم على أن يجعلوا منها لغة ثابتة تزاحم اللغة العربية، “وبعبوعا” يهددها؛ لئلا يزداد نفوذها وتصبح خطرا على “السياسة الأهلية”، باعتبارها أداة قومية في كيان الشعب المغربي. ومن أجل هذا أُلِّفت في الدارجة مؤلفات، وأصبحت معتبرة في الامتحان، وأصبح لها كرسي في دروس معهد الدروس العليا بالرباط. ولم تُبذل هذه الجهود في سبيل جعل اللغة الدارجة لغة بقواعدها – وإن كانت تلك القواعد يغلب عليها الجهل في بعض الأحيان- إلا من أجل التسلح بها في محاربة اللغة العربية والتمكين للفكر الاستعماري من تكريس سياسته “الأهلية” (indigène). وتعليل “لا فيجي” نفسه مستقى من هذه الموسوعة الاستعمارية، بيد أنه تعليل باطل وسلاح مفلول.
فاللغة العربية هي لغة هذه البلاد، لغة أصلية تطورت عبر قرون وأجيال، وكم حاربها الترك والأعاجم وأعداؤها في عصور خلت فلم يظفروا في حربهم لها بطائل، وظلت لغة تجمع ملايين العرب (وغير العرب) في مشارق الأرض ومغاربها. وهي اللغة الإدارية عند الدول الشرقية. ولتلك الدول لسان دارج، ولكن هذا اللسان الدارج لا يقوم مقامها، وليس له من الأصول ما يساعده على احتلال مقامها.
وأما حادثة اللافتات فهي أيسر من أن تكون مثيرة للشعور كما تقول “لا فيجي”، فهذه استهانة أخرى، أليس في إهمال لغة الملايين والإصرار على إهمالها إساءة؟
أليس في تقصير الإدارة وتكثلها ومماطلتها في تعليم النشء المغربي ثم شتمنا بالجهل إساءة؟
إن أمر اللافتات له جانبان: جانب اللياقة، و جانب مراعاة لغة البلاد، ولئن كانت الإدارة قد جعلت محاربة اللغة العربية همها الأول مند زمان، فكان على الأقل أن تحتفظ بمبادئ اللياقة و تضع العربية ولو إلى جانب اللغة الفرنسية على أقل تقدير، ولكن الإدارة فيما يظهر أصبحت في هذه الأيام لا تريد أن تكون معنا ولو لبقة، على الأقل “لافيجي” وغيرها من الصحف التي تتزعم الدفاع عن الإدارة، فنحن أعلم أنها بمثابة شريط سجلت عليه كثير من الردود يدار بواسطة آلة فيتحرك منطلقا بما سجل عليه، حتى ولو كان هذا التسجيل قديما بعلل حوادث سنة 1951 بتعليلات سنة 1907، آه من حَفَدة باسكال، لقد ضربوا بمنطق معلمهم الأول عرض الحائط.