اقتصاد

أزمة فرنسا الإقتصادية و العالم الثالث يستقبلها مستقبلا

رفع الحد الادنى للاجر القاعدي بنسبة 3%.
كان هذا من القرارات التي أعلن عنها فيلبان كاستجابة لمطالب ” القمصان الصفراء”، رغم ان سبب المظاهرات كان يتعلق بتوقيف زيادة الضرائب على الوقود،وهو القرار الذي تم تاجيله ستة أشهر أخرى.
تأجيل الزيادة سعر الوقود و رفع الاجر القاعدى في الحقيقة هي انتصار للنخبة الحاكمة. وانتصار لخراب الاقتصاد الفرنسي . وانتصار لجعل المواطن تابع ذليل للنخبة السياسية وليس مستقلا..
تحدث اكثر من مرة عن مقولة باستيا “ما نراه وما لا نراه”.. وتحدثت عن اكثر من مرة عن الأجر يرتفع بالارباح وليس بقرار سياسي اداري..
التراث الفرنسي الاداري والسياسي مأزوم ومختنق، ونهوضها الاقتصادي متعثر وهذا ما جعل دولة بحجم فرنسا منتهية اقتصاديا وسياسيا،  لولا بعض التوابع الأذلاء في شمال افريقيا وفي بعض دول افريقيا ، حيث ربطت النخبة السياسية مصيرها بالاليزيه.

مشكلة الحد الادنى للاجور ومشاكلها على الاقتصاد الفرنسي

في زيارتي الأخيرة لباريس لفت انتباهي ونحن نستعد لتجهيز جناحنا في المعرض الدولي أن العمال المشرفين على تركيب الأجنحة كلهم لا يتحدثون باللغة الفرنسية واستفسرت بسرعة فاكتشفت أن الهيئة المشرفة استعانت بشركات معارض من دول أوروبا الشرقية.. وقفز الى ذهني التساؤل البسيط.. لماذا تستعين الشركة بعمالة من خارج فرنسا رغم ان نسبة البطالة تصل الى 20%.. حتى ولو كانت نشاط مؤقت مثل معرض باريس للغذاء كان يمكن توفير مناصب عمل ولو لبضعة أيام لمواطن فرنسي تاكله البطالة ووضع المال في جيبه بدلا من جلب مواطن من دولة أخرى.
طبعا لا تحتاج ان نجلس في مكتب ماكرون حتى نفهم أن سبب عدم توظيف عمالة فرنسية بطالة تتسكع في الطرقات يتعلق بمشكلة الراتب.. وتتعلق أكثر بالحد الأدنى للأجور وتتعلق أكثر وأكثر بقوانين العمل التي لا تدمر العمل وتدمر اهم ما يملكه الانسان.. وهو طاقة العمل.
لا اتوفر على معطيات دقيقة ولكنني تبادلت الحديث مع من التقيت بهم حول هذه الظاهرة.. وتبين لي من خلال حديث الاخوة ان الشركات تتحايل على القانون وتحاول الانفلات منه وتوظف أية ثغرة بأي شكل من اجل توظيف العمالة من اوروبا الشرقية.. وقد سمعت ان رواتب هؤلا تصل الى 400 يورو صافية.. والحكومة مضطرة لغض البصر عن هذه التجاوزات.. فهي تخطب للشعب وتبيعه الريح على ان الاجر القاعدي 1.15 اورو للساعة وفترة العمل هي 35 ساعة في الاسبوع.. ولكنها عمليا تغض الطرف عن تجاوزات الشركات التي تجلب عمالا من أوروبا الشرقية لا يحتاجون الى فيزة.. وترتب لهم بطرق مختلفة وقد سعت ان هناك حتى مخادع جماعية لهؤلاء لتخفيف التكاليف.
والمبررات كثيرة جدا.. فبالاضافة الى القوانين المعيقة لتطور سوق العمل الفرنسي وتوسع البطالة منذ السبعينات وبلغت ارقاما خيالية.. فان المشكلة تتحول الى مصيبة سيكولوجية.. تحطم ذات الانسان.. اذا كانت لديك ظاهرة عمرها اربعين سنة أي جيل كامل ولد بطالا من أب بطال وعاش بطال.. يصعب عليه العمل فيما بعد.. فهو يتدبر أموره بطالا أفضل من الالتحاق بسوق العمل.. وهنا تبلورت مشكلة أخرى.. فالمقاول الفرنسي أصبح ينظر للمواطن الفرنسي أنه لا يريد العمل. ولا يصلح للعمل.. (هذا الكلام تسمعونه في بلد آخر وأقرؤه كثيرا هنا في الفيسبوك).
قتل روح العمل تترتب عليها مصائب متلاحقة كنتيجة منطقية أن المواطن الفرنسي فقد معنى الحياة.
نحن في الجزائر وفي المغرب وفي تونس نعرف حكايات يشيب له رأس الولدان كما يقال.. بسبب هذا الخلل في روح العمل. من ذلك ان كثير من الشباب المسلم يتزوج على سنة الله ورسوله زواجا صحيحا تقام اعراسه كل ما ينبغي.. ولكنه لا يسجل زواجه لدى المصالح المختصة في فرنسا.. والسبب منطقي وبسيط ومباشر.. حتى لا يفقد الزوجان منحة البطالة. ولا يهم تسجيل الأبناء على مذهب نابليونون وليس على مذهب الامام مالك. امام قصص الزواج الأبيض فهي من غرائب المجتمعات الغربية وكيف تعمل الجاليات المسلمة على تجاوز وكسر قوانينها المعقدة.
نعود للنموذج الفرنسي.
النمو الاقتصادي بعد تخفيض التضخم هو بنسبة 0% منذ 2010 وآخر مرة رأت فيها فرنسا نسبة النمو 4% كانت في السبعينات.. عدد البطالين يصل الى 3 ملايين وفي الحقيقة هناك ربما 4.5 مليون وربما هناك مليون باحث عن العمل لانه غير مقتنع بما يعمل فيه حاليا بنسبة تتراوح بين 15% و20% من مجموع السكان القادرين على العمل.. ميزان تجاري سلبي منذ سنوات.. والدين العام بلغ 91%.ملاحظة عابرة: الجزائر تبدو في وضع اقتصادي أحسن اذا صدقنا الأرقام. وضع مثل هذا يعني أن الانسجام الاجتماعي في خبر كان.. وثقة المواطن في نفسه وفي محيطه وفي قيادته في الحضيض.. وهي بيئة مناسبة للبحث عن من يتحمل وزر هذا الوضع.. ولذلك اليمين المتطرف يجد الأمر سهلا باتهام المهاجرين.. الذين يستفيدون من اعانات الدولة دون مقابل حسب تحليله.
وحتى لا يتشعب الحديث دعنا نركز على جزئية: الحد الأدنى من الأجور.

في الظاهر تبدو انها قضية عدالة اجتماعية ومحاولة من الدولة لمحاربة الفقر وتعكس مدى حرص الحكام على الصالح العام.. هكذا تقدم في الخيال الاجتماعي.. وهذه الفكرة راسخة في وجدان المواطن الفرنسي ويعتبرها جزء من شخصيته الفرنسية.
هذا هو الوهم..

ولكن ما هي الحقيقة..

الحقيقة أن فكرة الحد الادنى للاجور هي فكرة مسمومة تهدف الى حماية من تحصل على عمل وتؤدي الى حرمان من هو خارج دائرة العمل عن دخول سوق العمل والبقاء بطالا حتى ان بعضهم تصبح البطالة مهنة العمر. لو تعطيه عمل يخاف.. وسرعان ما يرفضه لان البطالة أحسن خاصة اذا كان يحصل على منحة البطالة. وهذا ما يجعل شركة فرنسية تتحايل عن القانون وتعبث بالتشريعات الخاطئة أصلا والتي من المفروض لا تكون من أجل جلب عمالة من اوروبا الشرقية.
شرحت بالتفصيل في مواطن أخرى ان الأجور مرتبطة بالانتاجية والارباح وليس بقرار سياسي أهوج يتخذه سياسي مريض يبيع الوهم من اجل الحصول على اصوات البطالين.. الذين في الحقيقة يريدهم البقاء في البطالة حتى يبيعهم في الدورة الانتخابية المقبلة نفس الوهم وينتخبون عليه لنفس السبب.
الاقتصاد له معادلته الخاصة القائمة على تكاليف واسعار السوق وما ينتج عنها من ارباح التي بدورها يتحول جزء منها الى أجور. ليس هناك طريق آخر.. ما عدى صعاليك واعوان الدولة وبيروقراطييها هؤلاء يتحتم على المجتمع دعمهم ودفع اجورهم عن طريق الضرائب رغما عنه كحتمية وجودية. طالما لم نكتشف طريقة أخرى لترتيب شؤوننا سوى هذا الكيان الغول الذي سماه هوبز اللفياتان: الدولة.
الربح هو مصدر الأجر.. وليس القرار السياسي.
ومن يخلط بينهما يكون مصيره مظاهرات كل يومين.. وهذا الخلط مزدوج هو على مستوى المجتمع وعلى مستوى القيادة السياسية.
مظاهرات كل يومين ستجعل كل المقاولين يبحثون عن بلد الاستقرار ويذهبون للصين او ماليزيا..
هل يمكنك ان تتحكم في المظاهرات الشعبوية؟.. يطالبون بتخفيض الضرائب وعندما تجلس معهم في الطاولة يخرجون من جيوبهم مطلب رفع الحد الادنى للاجور..
أو العكس..
السياسي حتى يميع النقاش يقول لهم نؤجل رفع الضرائب ستة أشهر واقترح عليكم زيادة 3% في الاجر القاعدي حتى لا تخرجوا منهزمين من المفاوضات.. ويقبل الطرفان هذه الحماقة.. وينتصران ضد مستقبل فرنسا.. ثم يقول لك فرنسا لم تعد فرنسا.. وهي عبارة تتردد على كل لسان من تلتقيهم في فرنسا مهاجرا او من اصول فرنسية..
ثم يقول لك فرنسا فقدت صناعتها.. تقريبا 2 مليون منصب عمل تبخر بسبب انهيار القطاع الصناعي الفرنسي..
-77% من تدفق الاستثمارات الأجنبية لفرنسا مقارنة مع الدول الأخرى بسبب مناخ الاستثمار البدائي.. ومنها قوانين العمل الحمقاء..
والسبب الذي يقدمونه في الاعلام هو الصين التي تدفع اجور متدنية حسبهم.. وليس الثقافة المنتشرة في فرنسا التي تقدس البطالة وتقدس الدولة وتعتقد ان الدولة هي الحل والدولة تستطيع طباعة النقود وتوزيعها بالهيلكوبتر كما كان يسخر فريدمان من هذا المنطق المفلس.
حكاية الأجر القاعدي الموروثة من القرن التاسع عشر ترتكز على ثقافة “الحرب” المفترضة بين مواطن مقاول (رأسمالي) ومواطن يقدم جهده بمقابل (عامل).. وان هذه العلاقة تقوم أساسا على “الاستغلال”..
وعلى البيروقراطيين الملائكة اعوان الدولة ان يتدخلوا لتوقيف الحرب ومساعدة العمال وتوقيف الاستغلال..
حرب وصراع..
استغلال..
هذه العقلية يجب ان يتغير..
العلاقة بين العامل والمقاول تقوم على المضاربة كما سماها الفقهاء عندنا، الضرب في الأرض، والتعاون والسعي المشترك لكي يعيش المقاول صاحب المشروع والعامل حياة كريمة. وليس على الحرب والصراع والاستغلال.
رب العمل لا يستطيع ان يفعل شيئا بدون عامل ماهر.. وقد عرفت وظفين يعملون في مؤسسات لسنوات طويلة وتشكلت علاقات انسانية بين العامل ورب العمل وليس علاقات صراع واستغلال كما كان يردد ماركس الذي سمم عقول البشرية بهذه الافكار.
كما تلاحظون بعض القضايا التقنية لها ابعاد فكرية وفلسفية.
وضع حد ادنى للاجور يؤدي الى انحراف المناخ الاقتصادي بشكل كلي.. والأخطر انه يحرم الفئات الجديدة من الالتحاق بسوق العمل..
بين البطالة وهي صفر مدخول والحصول على عمل ولو بالحد الادنى فان الحد الادنى افضل بكثير..
ذلك ان العمل مهما كان صغيرا ومتواضعا ومحدودا.. يعطيك مالا تترزق به ويكسبك خبرة تحتاتجها..
ويكفي ان الناس يتبادلون سير البنائين او السباكين فيما بينهم لمجرد ان لديهم خبرة.. وتلك الخبرة هي التي تصنع هوية الشخص وقيمته الاجتماعية..
وقد ذكرت قصة رجل رسام يعمل في رسم البورتريهات الشخصية في الشوارع.. تقدم منه شخص وطلب منه ان يرسمه.. فأجلسه أمامه ورسمه وقدم له الصورة.. فتأمل الشخص صورته وشعر بالسعادة فملامحه مطابقة جدا. فقال له بكم الصورة؟ فرد الرسام: 100 دولار.. فقفز الزبون من مكانه.. مئة دولار.. انها لم تاخذ منك أكثر من 5 دقائق… فتامله الرسام.. ثم رد عليه.. لقد اخذت مني الصورة 20 سنة و5 دقائق.
5 دقائق هي خلاصة 20 سنة من التعلم والمحاولات والتجريب والاخطاء حتى اصبحت سريعا بهذا الشكل.
لن تاتي الاجور بمجرد طبع النقود في البنوك المركزية هذا الوهم يجب ان يتوقف. وقد يتعرض نشاط تجاري الى صعوبات وهذا يحتم في بعض الاحيان افلاس المشروع وتسريح العمال.. هذا امر طبيعي.. ويحدث يوميا.. من يغلق مخبزته او بقالته او محل بيع الاحذية ويحدث ايضا على صعيد المقاولات.. بسبب الجودة والخبرة والمنافسة واتقان العمل .
عندما تفرض حد ادنى من الاجور فانك تضغط على نسبة البطالة وتسعى لتوسيعها..

لو افترضنا ان صاحب سلسلة مطاعم لديه 10 الاف عامل يدفع لهم الحد الادنى من الاجور.. وفجاة كان هناك تراجع في الارباح لسبب او لآخر.. فهو سيضطر الى تقليص العمال للحفاظ على الحد الادنى من الاجور وهنا تحدث مشكلة أخرى أن العمال المتواجدين ياخذون نفس الاجر ولكن بضغط عمل اكبر بسبب تقلص عدد زملائهم لانه تم تسريحهم.. وحتى ولو حافظ على الكتلة العمالية فلن يستطيع توظيف اشخاص جدد..
هذه ابسط ما يتعرض له عمل..
واذا كان في حاجة الى العمال.. فهو مضطر للخروج من منظومة القوانين الضابطة الى قوانين الغابة..
البيروقراطي يحبك أكثر لما تخرج عن القانون.. حينئذ يقدم للمقاول خدماته السحرية الفاسدة..
عادة العمال لا يشتكون للقضاء بل لمصلحة عجيبة تسمى مصلحة العمل.. والطريق معروف.. اذا اشتكى العمال يرمي البيروقراطي الفاسد ملفاتهم تحت الدرج.. وهانحن في الجزائر نرى كيف تحالفت المركزية النقابية مع الباترونا.. جهارا نهارا..
هل هناك طريق آخر.

لن تقوم قائمة في الاقتصاد الا اذا حدث امرين اثنين:

1 تحرير الاجور.
وتحرير سوق العمل.. التوقف عن حكاية العقود الدائمة.. العقد الدائم مرتبط بالربح الدائم.. وليس بقرار سياسي..
أولا: حتى لا نتحايل على القوانين التي يضعها صعاليك السياسة وهم لا يفقهون شيئا فيزيدون في اعاقة المجتمع وتكبيله.. (جلب عمالة من اوروبا الشرقية مثال فرنسا او تشكيل مقاولات العمل مثل الجزائر وقد تحدثنا عن هذا الموضوع سابقا).

وثانيا: حتى نمكن المقاولات الصغيرة من النمو والازدهار دون شعورها بانها تخالف القانون..
بل اقترح ايضا الغاء مديرية العمل وقانون العمل والقانون الاداري والمحاكم المرتبطة بها التي تعيق انطلاق المجتمع والانطلاق الاستثمار والاكتفاء بالتقاضي العام..
وكل هذه القوانين البائسة موروثة من النموذج الفرنسي بالمناسبة.

الخبير الإقتصادى /رياض حاوى

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock