أحمد لعرابة ووليد لعقون، رئيس ومقرر لجنة الخبراء لتعديل الدستور “الدساتير تتوجه للمواطنين لا للمؤمنين

0

يدافع عضوا لجنة الخبراء المكلفة بجمع مقترحات تعديل الدستور، الرئيس أحمد لعرابة والمقرر وليد لعقون، في هذا اللقاء مع “ليبرتي” عن طريقة عملهم رفقة زملائهم في اللجنة.

ويرد البروفيسور لعرابة وزميله البروفيسور لعقون عن الانتقادات الموجهة لهم بخبرتهم في القانون الدستوري، دون إنكار دور السياسيين في صياغة دستور أي بلد

أشرتم في عرض أسباب المسودة الدستورية أن هيئتكم ليست لها مهمة تأسيسية، بينما الشعب الجزائري منذ 22 فيفري 2019 يطالب بتطبيق المادتين 7 و8 من الدستور اللتين تكرسان مبدأ “الشعب مصدر السلطة”. هيئتكم إذن لا تستجيب للمطالب الشعبية، ما تعليقكم؟

الهيئة تم إنشاءها بناء على رسالة مهام من رئيس الجمهورية تحدد المجال الذي يتعين على لجنة الخبراء العمل في إطاره. الرسالة حددت سبعة محاور وأضافت ما سميناه نحن نقاط خارج الاطار تسمح لنا بالتطرق لمسائل لم تشملها هذه المحاور إذا رأينا الضرورة لذلك.

إذن الأمر لا يتعلق بهيئة تأسيسية، لأن هذه الأخيرة لا معنى لها إذا كانت مشكلة من خبراء جامعيين. بالنسبة لنا المسألة واضحة، مهمتنا هي نسخة من شأنها أن تشكل نقطة انطلاق نقاش.

وضع الدستور قد يتم عن طريق مجلس تأسيسي أو عن طريق الاستفتاء الشعبي. والشعب بناء على المادة السابعة والثامنة قد يصادق أو لا يصادق على الدستور، وتكون الارادة الشعبية قد تجسدت بذلك.

الجزائر عرفت دساتير كثيرة وتعديلات دستورية كثيرة بدأ من دستور 1963 إلى اليوم. إذا كانت مهمتكم ليست تأسيسية فأين “الجزائر الجديدة” التي يتحدث عنها رئيس الجمهورية؟

عملية وضع الدستور قد تتم عن طريق مجلس تأسيسي لكنها قد تتم أيضا عن طريق لمسات مستمرة. لدينا مواد في الدستور الحالي أصلها منذ دستور 1963، وهذا معناه أن الدستور الجزائري تطور بصفة تدريجية تحت تأثير التطورات العالمية وتحت تأثير الطلب الاجتماعي.

نحن إذن بصدد وضع الدستور مرحليا، و المادتان السابعة والثامنة أحسن مثال على ذلك. كلاهما تعودان لدستور سنة 1963 وهذه الأخيرة إستمدت هاتين المادتين من الدستور الفرنسي لسنة 1958. ماذا يعني هذا؟ يعني أن عملية الدسترة تخضع للطلب الاجتماعي. الأمازيغية مثلا التي لم يأخذها دستور 1963 في الحسبان، لكن هناك طلب اجتماعي عليها وهناك نضالات رجال من أجلها. لماذا لم تدستر مسألة مكافحة الفساد سنة 1996؟ لأن الحركة العالمية لمكافحة الفساد آنذاك كانت حديثة النشأة والبنود التي وردت في هذا المجال ليست مجرد طبخة قانونية لأعضاء اللجنة، بل هي عبارة عن مبادئ تسمح للمواطن باللجوء إليها من أجل المطالبة بحقوقه.

كذلك الشأن بالنسبة لحرية الصحافة التي لم تتم دسترتها إلا في سنة 2016 وبطريقة محتشمة. اليوم تقدمنا في هذا المجال من خلال فرض عدم المساس بجوهر حرية الصحافة مهما كان التقييد في القانون. الصحفي يستطيع في المستقبل أن يستعمل الدستور من أجل الدفاع عن حريته أمام القضاء، وهذا غير ممكن حاليا.

هذا معمول به حاليا لكن القضاة لا يستجيبون

هل تعلمون لماذا؟ لان قضاتنا لهم تفسير ضيق للقوانين. لذلك نحن لا نكتفي بالإحالة على القانون ونترك للمشرع أو القاضي الحرية في العودة أن يحترم أو لا يحترم الدستور، بل نفرض ذلك وهناك سلسلة من القوانين سيتم تعديلها لهذا الغرض.

النقطة الثانية التي تقدمنا بخصوصها هنا، وهي أننا ميزنا بين الحريات العامة والحقوق الأساسية. فالأولى تعني الحريات التي يمنحها القانون فقط أما الحقوق الأساسية فهي حقوق طبيعية غير قابلة للمساس. القضية ليست مجرد كلمات، مثلما يردد البعض ولذلك أكرر أن النقاش كله مرتكز على حوالي 20 بندا يتعلق بتوزيع السلطات، ولا أقول أنها غير مهمة، بينما الدستور مرتبط بمجالات كثيرة لا تقل أهمية عن توزيع السلطات.

المشكل في الجزائر أن كل رئيس يعدل الدستور. ما هي الضمانات التي تقدمونها لاستمرارية الدستور القادم واحترامه؟

أقول لكم لماذا. دستور 1989 هو الذي أخلط نوعا ما الأوراق وهو دستورا يحمل الكثير من الغرور. هو دستور أعدته دائرة صغيرة متكونة من أشخاص التفوا حول مولود حمروش ولم يتم أبدا إعلان هوية هؤلاء، كما لم يكن عملهم من وحي الرئيس الشادلي بن جديد أبدا، بل هو نتاج أحداث أكتوبر 1988. وهذا يعيدنا إلى الطلب الاجتماعي كعامل فرض دستور 89.

ومن علامات الغرور في ذلك الدستور أنه لم يأخذ بعين الاعتبار الواقع الجزائري ولم يضع حلولا للمشاكل التي يحملها في طياته. وهذه هي النتيجة التي يفرزها دستور ناتج عن عمل مخبري متقدم عن زمانه.

نفهم إذن أن العمل الذي تقومون به أيضا مدعو للمراجعة في السنوات القليلة القادمة؟

نعم لم لا؟ بل لابد من مراجعته. هناك أمثلة لدساتير تمت مراجعتها مرارا، وأنا أستدل دائما بدستور البرتغال لأنه نتاج ثورة 1974. تم تعديل الدستور ثماني مرات منذ 1976 وكان هناك مجلس تأسيسي أعد الدستور في ظرف سنتين، وهي أول هيئة تأسيسية تحترم آجالها. مجلسنا التأسيسي في بداية الاستقلال كان مقررا لسنوات وفي تونس لسنة واحدة واستغرق ثلاث سنوات بالنتيجة التي نعرفها.

البلدان التي تعيش مرحلة انتقال ديمقراطي نحو الديمقراطية كلها تحق خطوات تقدمية ثم تعرف خطوات تراجع، ونحن بلد يعيش الانتقال الديمقراطي وبالتالي مسألة المواطنة ليست محسومة. الدستور موجه لمواطنين وليس لمؤمنين وبالتالي عناصر الهوية يمكن إبعادها عن الدستور ليصبح بإمكانك ان تكون جزائريا دون أن تكون عربيا ولا أمازيغيا ولا مسلما. لكن مجتمعنا غير مستعد لهذا المفهوم من المواطنة وبالتالي علينا التقدم بالتدريج وسترون أن هذه العناصر المكونة للهوية ستختفي من الدستور مستقبلا.

وفي إنتظار ذلك قمنا بمراجعة مسألة مزدوجي الجنسية رغم كونها أدرجت في دستور 2016 فقط. ولما لاحظنا أنها تتناقض مع مبدا مساواة المواطنين أمام القانون قمنا بمراجعتها. وبالنسبة للأمازيغية لم نقم بإدراجها لكوننا أمازيغ أو لسنا أمازيغ… بل لأنها مطلبا اجتماعي قائم كان لا بد من غلق النقاش حوله.

هل تلقيتم اقتراحات لإلغاء دسترة الأمازيغية من أحزاب وهيئات رسمية؟

الأحزاب لديها تحفظات تلتزم بها، لكن الأشخاص نعم هناك من طالب بإلغاء الأمازيغية من الدستور.

بخصوص موضوع فصل السلطات، نلاحظ أنكم تفاديتم النظام الرئاسي المطلق بشكله السابق لكنكم لم تمنحوا رئيس الحكومة أو الوزير الأول الصلاحيات الكافية. كأنكم تمسكون العصا من الوسط لماذا؟

تماما، لقد حاولنا ان فتح آفاق أخرى مقارنة بدستور 2009. النقاش الجاري الآن حول فصل السلطات هو نفس نقاش القرن الثامن عشر والحقيقة أن الوضع تغير. مونتيسكيو، بما أن الجميع يستشهد بمونتسكيو، قال يجب فصل السلطات لمواجهة السلطة المطلقة وليس السلطة الملكية. هذا هو الأساس الذي جاءت من أجله كل الدساتير، واليوم أصبحت أوربا مثلا تعيش أزمة الديمقراطية التمثيلية بقعل أنظمتها البرلمانية.

فالنظام البرلماني اليوم لم يعد قائما على معارضة الحكومة من طرف البرلمان، بل هو قائم على دعم البرلمان لحكومة الأغلبية. وعليه التوجه السائد عند المختصين الدستوريين اليوم هو كيف نراقب السلطة التنفيذية ولنمنحها بعد ذلك السلطات التي نريد. وهناك مبدأ آخر يتعلق بالحريات والمواطنة، وهذا ما يسمى الآن ب”الفقه الدستوري الجديد”.

لماذا تغيير التسمية من وزير أول إلى رئيس حكومة؟

المشكل ليس في التسمية بل في المضمون الذي نمنحه للتسميتين. في تعديل الدستور 2008، أصبح الوزير الأول مجرد منسق لبرنامج رئيس الجمهورية. ونحن عدنا في المادة 108 إلى روح دستور 1989 “رئيس الجمهورية يمكنه تعيين رئيس حكومة ويكلفه بتنفيذ برنامجه عن طريق مخطط عمل”.

لماذا لا نذهب مباشرة إلى الهدف ونعطي الأغلبية البرلمانية حق تشكيل حكومة؟

نحن لسنا في وضعية قارة وقد تتغير الأغلبية. وأذكركم مثلا أن الرئيس ميتران عندما وجد نفسه أمام أغلبية برلمانية غير أغلبيته اختار التعايش وكان بإمكانه أن يختار الاستقالة… دستور 1989 و1996 لم يمنح للرئيس هذه الامكانية ولو توفرت هذه الامكانية للشادلي لما وقعنا فيما وقعنا ففيه. لذلك اقترحنا نحن صيغة تأخذ بعين الاعتبار وجود أغلبية رئاسية وأغلبية برلمانية، وفي هذه الحالة يجب أن تمنح للرئيس حرية الاختيار، بين ان يعين رئيس حكومة ينفذ برنامجه عن طريق مخطط عمل أو تعيين حكومة تمثل الأغلبية البرلمانية وتنفذ برنامجها، بينما الرئيس يحتفظ بالصلاحيات المرتبطة بمنصبه.

إذن هناك خبراء عالميون في القانون الدستوري، مثل خبراء الأفامي، لو تعطيهم دستور لا يجدون فيه آليات الرقابة وكذا الحريات فلن يعترفوا بذلك الدستور حتى لو كان الأحسن في مجال فصل السلطات. هذا الجانب أيضا أخذناه بعين الاعتبار و عملنا قدر الإمكان على تفادي انتقادات الهيئات الأممية

نعود لموضوع الحريات، هناك مشكل مطروح مع القضاة الذين لا يحتكمون إلى الدستور. كيف يمكن ضمان احترامهم الدستور القادم؟

الرقابة الدستورية مدرستان: مدرسة تتبنى الرقابة الذاتية، كأن تقف أنت أمام المحكمة وتقول هذا القانون لا يتطابق مع الدستور… وهناك مدرسة تتبنى الرقابة الموضوعية. الجزائر تبنت نظام الرقابة الموضوعية، وأدرجنا منذ دستور 1996 جرعة من الرقابة الذاتية، من خلال مبدأ عدم دستورية القوانين دون أن نضع آليات تجسيد ذلك. والآن نحن نتجه نحو المحكمة الدستورية مع توسيع صلاحياتها لتشمل ما يسمى “مطابقة القوانين للاتفاقات الدولية”.

لقد وضعنا الآليات القانونية للرقابة ويبقى التطبيق يخضع لتطور الممارسة الديمقراطية. وإذا تم التصويت على هذا الدستور ستتغير معه ترسانة من القوانين كقانون الجمعيات والأحزاب

مسالة أخرى أثارت النقاش كثيرا تتعلق بشرعية نائب الرئيس وكيف يخلف الرئيس وهو غير منتخب

صحيح، وسأقول لكم كيف اشتغلنا مع أننا ذكرنا كل شيئ في عرض الأسباب. فعلا اللجنة تأثرت بكل ما حدث في البلاد وما قيل عن القوى غير الدستورية التي سيطرت على مراكز السلطة حين كان الرئيس مريضا… لم نكن متفقين حول كيفية معالجة حالة شغور منصب الرئيس وطرحنا الاحتمالات الثلاث، أي نائب الرئيس يخلف الرئيس دون ان ينهي العهدة واحتمال انتخاب نائب الرئيس واحتمال آخر يتعلق بعدم ادراج منصب نائب الرئيس أصلا… واخترنا أن نطرح الفكرة للنقاش وهي قابلة للتطوير.

نحن مجرد خبراء لا يمكننا أن نعوض الشعب أبدا ولا الأحزاب السياسية، هناك مسائل حصل عليها الاجماع ولم نواجه فيها أي مشكل وهناك مسائل أخرى اختلفنا حولها فرأينا أن نعرضها للنقاش السياسي.

هناك مطلب آخر يعود لبداية الاستقلال وتجدد بمناسبة الحراك الشعبي يتعلق بإعادة الأفالان ومنع استعماله في الساحة السياسية. هل ناقشتم الموضوع؟

هذا موضوع مطروح للنقاش السياسي لا أستطيع أن أدرجه في نقاش دستوري. لكن إذا حسم النقاش السياسي هذه المسألة يصبح تناولها دستوريا أمرا ممكنا.

أجرى اللقاء:

م. إيوانوغن/ علي بوخلاف

Leave A Reply

Your email address will not be published.